
من أخنوش إلى شوكي: انتقال هادئ للقيادة واستمرارية الخيار الليبرالي الإجتماعي داخل “الأحرار”..
في خطوة مفاجئة أعادت ترتيب الأوراق داخل البيت الداخلي لحزب التجمع الوطني للأحرار، برز اسم محمد شوكي مرشحاً وحيداً ومنفرداً لقيادة الحزب، عقب إعلان عزيز أخنوش عدم نيته الترشح لولاية ثالثة على رأس “الحمامة”.
هذا التحول، وإن بدأ شكلياً في واجهته التنظيمية، إلا أنه يحمل في عمقه دلالات سياسية واضحة، تتجاوز تغيير الأشخاص إلى تكريس منطق الاستمرارية في الرؤية الاقتصادية والسياسية الليبرالية التي ميزت تجربة الحزب خلال العقد الأخير.
انتقال منظم لا قطيعة سياسية
بعكس ما يحدث في كثير من التجارب الحزبية المغربية، لا يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار مقبل على قطيعة داخلية أو مراجعة جذرية لخياراته الكبرى. فانتقال القيادة من عزيز أخنوش إلى محمد شوكي يتم في سياق مضبوط، أقرب إلى تسليم مشعل منه إلى صراع أجنحة أو تصفية حسابات تنظيمية.
ويُجمع متتبعون على أن القاسم المشترك بين الرجلين يتمثل في التقارب الواضح في الرؤية الاقتصادية، والانحياز الصريح للنموذج الليبرالي الوسطي الإجتماعي القائم على تشجيع الاستثمار، ودور القطاع الخاص، وربط السياسة العمومية بمنطق النجاعة والتدبير.
من “الجرار” إلى “الحمامة”: مسار صاعد ومحسوب
لم يكن صعود محمد شوكي داخل التجمع الوطني للأحرار وليد الصدفة. فقبل التحاقه بالحزب، كان يُعد من الوجوه التنظيمية المؤثرة داخل حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم بولمان. غير أن انتقاله إلى “الحمامة” شكّل نقطة تحول حاسمة في مساره السياسي. داخل حزب الأحرار، تدرج شوكي بسرعة لافتة في هرم المسؤوليات:
منسقاً جهوياً للحزب بجهة فاس-مكناس؛ وعضواً بالمكتب السياسي، ضمن الدائرة الضيقة لصناعة القرار؛ ورئيساً للفريق النيابي بمجلس النواب خلفاً لمحمد غيات؛ ثم رئيساً للجنة المالية والتنمية الاقتصادية، إحدى أكثر اللجان حساسية وتأثيراً داخل المؤسسة التشريعية. هذا المسار يعكس ثقة القيادة الحزبية فيه، كما يعكس استعداد الحزب لتكريس نمط جديد من القيادات يجمع بين السياسة والتكنوقراط.
بروفايل أكاديمي ومالي ينسجم مع هوية الحزب
ما يميز محمد شوكي، مقارنة بعدد من القيادات الحزبية التقليدية، هو خلفيته الأكاديمية والمهنية ذات البعد الدولي. فهو خريج جامعة الأخوين، وجامعة “J.C. Smith” بالولايات المتحدة، وحاصل على شهادات دولية في التحليل المالي والاستثمار.
وقد راكم تجربة مهنية وازنة في عالم المال والأعمال، من خلال تقلده مناصب قيادية في شركات كبرى، من بينها:
المدير العام لشركة الإمارات الدولية للاستثمار؛والرئيس التنفيذي لشركة “ID Capital”؛ والمدير العام لشركة “ID Capital Holding”.
وهي سيرة مهنية تتقاطع بشكل واضح مع المرجعية الليبرالية التي يتبناها حزب التجمع الوطني للأحرار، والتي جعلت من “الكفاءة الاقتصادية” أحد معايير الصعود داخل بنياته القيادية.
رجل المهمات الصعبة والمدافع عن حصيلة الحكومة
سياسياً، يُعرف شوكي بكونه من أقرب المقربين من عزيز أخنوش، وبرز خلال الولاية الحكومية الحالية كأحد أكثر المدافعين شراسة عن حصيلة الحكومة داخل البرلمان. تحت قبة مجلس النواب، قدّم نفسه كواجهة سياسية قادرة على ترجمة الاختيارات الحكومية بلغة الأرقام والمؤشرات، لا بلغة الشعارات.
ويرى مراقبون أن الحزب، باختياره محمد شوكي، يراهن على استمرار نموذج “الوجه التكنوقراطي بلباس سياسي”، وهو النموذج الذي اعتمده أخنوش منذ توليه قيادة الحزب، ونجح من خلاله في إعادة تموقع التجمع الوطني للأحرار كقوة انتخابية أولى.
استمرارية القيادة… وتجديد الوجوه
إذا كان عزيز أخنوش قد قاد مرحلة التأسيس الثاني للحزب، فإن محمد شوكي يبدو مرشحاً لقيادة مرحلة الترسيخ والاستمرارية، مع ضخ دماء جديدة في الواجهة التنظيمية دون المساس بجوهر الاختيارات الكبرى.
وبذلك، لا يمثل انتقال القيادة داخل حزب التجمع الوطني للأحرار نهاية مرحلة بقدر ما يعكس انتقالاً هادئاً داخل نفس المنظومة الفكرية والسياسية، في انتظار ما ستفرزه الاستحقاقات المقبلة من تحديات واختبارات حقيقية لهذا الخيار.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



