
متلازمات القرصنة والإخضاع تحكم خورزميات العلاقات الدولية: ملاعب الرياضة فضاء لإنعكاس الأزمات
- بقلم امحمد القاضي //
ربما لم تشهد اي كأس كروية، الاسيوية والاوروبية وكذا أمريكا الجنوبية منها المهووسة باللعبة، البعثرة التي شهدتها نهائيات الكأس الإفريقية ببلادنا.
وفي المقابل، إن ما تشهده الساحة السياسية من تدبدب العلاقات الدولية قد يبعثر شؤون الجيوسياسية العالمية.
فهل نخرج فوضى الكأس من السياق الدولي؟ يبدو ان العالم أصيب بمتلازمة الهديان.
نهائية الكاف لم تكن إلا مرآة لتدني القيم الإنسانية العالمية و غلبة منطق الفوضى والقوة وشرعنة القرصنة في خرق سافر لكل القوانين التي أسستها البشرية في تطورها وتقدمها بعد قرون من الدم والحروب والنكسات.
صدقنا أنه بعد آلاف السنين أصبح للبشر ضمير وللناس حقوق وللعالم أمم متحدة، ومنتظمات دولية لتسوية النزاعات، وعلى رأس الدول قادة حكماء عقلاء يبعثون الثقة والأمل والطمأنينة ويجتمعون على الطاولات من أجل حوار هادئ وحلول عادلة ومنصفة، إلى ان بدأت الأقنعة تتساقط والأنا تغلب لنستفيق تحت سقف سماء هشة آيلة للسقوط.
السياق الدولي الحالي بإفتعاله الأزمات والحروب، والإبادات العرقية، والإختطافات الأفقية ومحاولات ضم أراضي وجزر عنوة، والتغاضي او التساهل الدولي مع المعتدي، أصبح تحكمه منطق القوة والخروج عن القانون الدولي وإستغلال الفرص والغلبة لمن يتقن لعبة لي الأدرع أو يراهن على الإصطفاف مع الجبهة المنتصرة في الوقت المناسب.
ساحة الرياضة أصيبت بالعدوى وأعدت “كوباي” وجسد تجارب وتمرين لقياس درجة تطبيع الجمهور مع الهديان.
هشاشة العلاقات الدولية وكيف أخرجت نهائيات الكاف تعابين “الأخوة” الإفريقية وتصرفات وتعاليق سلبية “للأشقاء العرب” من جحورها، وكادت عواطف لحظات كروية أن تفتعل الأزمة، وتعصف بجدور تاريخ مشترك وتمزق الثقة ومبدأ التعايش بين الشعوب وإندماج الثقافات.
الخروج عن السيطرة في الملعب مرآة وإنعكاس لواقع دولي معاش لن يعدو ان تساهم فيه سياسات الخنوع، سلوكيات التهور وتجليات ضعف التعقل وضبط النفس ليصبح الملعب إسقاط لا إرادي وإفراغ لتراكم الأزمات والحماقات السياسية.
الأحداث الدولية والكروية أعادت بنا الذاكرة لزمان الجاهلية حين إشتعلت حرب “البسوس” بين قبيلتي تغلب وبكر لمجرد قتل ناقة، لما تمثله في مخيل أهل صحراء الحجاز، التي كانت ترعى في المكان الغير المناسب. ودامت الحرب والعداوة ومنطق الثأر لأزيد من 40 سنة بين القبيلتين. فأين نحن من الجاهلية؟
عودة أخلاق الجاهلية في الالفية الثالثة وطقوس المراوغة على الملاعب في محاكات للخدع السياسة إشارة واضحة لإنهيار منظومة أخلاقية وتصدع القيم وخيانة للإتزامات، ورسم فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة.
اللامعنى والفوضى العالميين تجعلنا نشعر أننا نعيش مرحلة القطيعة مع مرحلة البناء. الحال أن المرحلة ليست بحدث عابر او فترة إنتقالية تعبر بنا لمحطة وأرضية أصلب. بل نهج لخورزميات معاملات جديدة أصبحت فيها للعلاقات موقفان إما أن تكون فاعل أو مفعول به، مشارك في صنع القرار أو ضحية له. بعبارة سياسية ماثورة أعادها للادهان الرئيس الكندي في لقاء المنتدى الإقتصادي العالمي بدافوس الأخير بكل جرأة: “إما أن تجلس على الطاولة، أو تكون على قائمة الطعام”.
بعد كل هذه التبريرات سنسقط الطائرة. للبلد سيادة وللدولة هبة وللشعب كرامة والدوس عليها خط أحمر. أصحاب الذاكرة السياسية من الجيران الأفارقة او العرب يتذكرون مواقف المرحوم الحسن الثاني في واقعة جلوس الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بجانب ممثل البوليساريو، وخطابه تجاه أهل الخليج والجامعة العربية عند أزمة عابرة، وقرار الخروج من الوحدة الإفريقية. المواقف وإن إعتبرت قاسية ومكلفة، لكنها فرضت الإحترام اللازم. والتاريخ يسجل المواقف الحازمة كما يسجل الجبن في ملف العار.
وصدق عنها قول شاعر الجاهلية عمرو ابن كلثوم في معلقته:
“ألا يجهل أحد علينا ## فنجهل فوق جهل الجاهلينا”
التنافسية الشريفة في جميع الميادين والندية حق مشروع وعامل بناء.
ما لم يفطن له هديان البعض من “الأشقاء” و”الإخوة” في الخلط بين السياسي والرياضي، أن المغرب قطع أشواط بجل إختياراته وفي حسم قضاياه المصيرية وربح معارك دبلوماسية، وبذلك ولى عهد وفزاعة المساومة ولي دراع المغرب خوفا بالمس بوحدته الترابية.
وقضية الصحراء شبه محسومة مع القرار الأممي الأخير وموقف أقوى دولة في العالم ودول أخرى. ولولا إقبال المغرب على تظاهرة عالمية وخوفه على تشويه سمعته والسقوط في فخ المآمرة لكانت عودة معنى بيت عمرو ابن كلثوم أصدق من رزانة فلسفة الكتب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



