
الصحافي بين إرث النضال ومنطق السوق: حين تتحول “الصحافة المستقلة” إلى محامي شيطان
- بقلم: الحسن باكريم //
“فالصحيفة التي تشتغل كشركة ربحية، تستفيد من الإشهار والدعم العمومي، وتفاوض المؤسسات العمومية والخاصة، لا يمكنها أخلاقيًا أن تستمر في لعب دور “المناضل الثوري” خارج كل مساءلة.”
منذ فجر الاستقلال، تشكّلت الصحافة المغربية في حضن السياسة، بل في قلب التنظيمات الحزبية نفسها. لم يكن الصحافي آنذاك مجرد ناقل للخبر، بل مناضلًا عضويا، يحمل القلم كما يحمل المناضل لافتته، ويجعل من الجريدة منبرًا للاحتجاج، والتعبئة، والمعارضة الصريحة للسلطة. كان الخط التحريري واضحًا، والتموقع السياسي معلنًا، والاصطفاف جزءًا من الهوية المهنية.
غير أن هذا النموذج عرف تحولات عميقة مع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، حين بدأت تتراجع الصحافة الحزبية لصالح ما سُمي بـ“الصحافة المستقلة”، وظهرت مقاولات إعلامية تشتغل بمنطق السوق، وتؤسس مشاريعها على الإشهار، والدعم العمومي، والمداخيل التجارية، لا على النضال الحزبي ولا على الالتزام الإيديولوجي المعلن.
ظاهريًا، بدا الأمر انتقالًا صحيًا نحو صحافة مهنية، تقوم على الإخبار، والتحقيق، والتوازن، وخدمة حق المجتمع في المعلومة.
لكن واقع الممارسة كشف مفارقة لافتة: تغيّر الشكل القانوني والاقتصادي للصحف، بينما ظل الخط التحريري في كثير من الحالات أسيرًا لمنطق “المناضل القديم”، أو بالأحرى، لمنطق “محامي الشيطان”.
ادعاء الاستقلال… وممارسة النضال بالوكالة
المثير للانتباه أن عددًا من هذه الصحف، التي تُقدَّم باعتبارها “مستقلة” و“مهنية”، تواصل تبني خطاب المعارضة الجذرية، وتقديم نفسها كمدافع حصري عن المجتمع، وناطق باسم “المقهورين”، في مقابل سلطة تُصوَّر دائمًا في موقع المتهم.
لا إشكال في النقد، ولا في مساءلة السلطة، بل إن ذلك جوهر العمل الصحافي. الإشكال يكمن في ادعاء النضال، دون وضوح في المرجعية، ودون شفافية في المصالح.
فالصحيفة التي تشتغل كشركة ربحية، تستفيد من الإشهار والدعم العمومي، وتفاوض المؤسسات العمومية والخاصة، لا يمكنها أخلاقيًا أن تستمر في لعب دور “المناضل الثوري” خارج كل مساءلة.
هنا يتحول الصحافي من مراقب مستقل إلى “محامي شيطان”، يدافع عن أطروحات جاهزة، ويُلبسها لباس الدفاع عن المجتمع، بينما تخفي في العمق حسابات تجارية أو تصفية حسابات أو تموقعات غير معلنة.
حين يصبح الخط التحريري بضاعة
في منطق المقاولة، الخط التحريري ليس بيانًا سياسيا، بل اختيارًا مهنيًا يفترض أن تحكمه أخلاقيات المهنة: التوازن، التحقق، تعدد المصادر، والفصل بين الخبر والرأي. غير أن بعض التجارب “المستقلة” حولت الخط التحريري إلى سلعة، تُكيَّف حسب السوق، وتُشحن بخطاب الاحتجاج لجذب القراء، ورفع نسب التصفح، واستدرار الإشهار.
هكذا، يتم استنساخ خطاب النضال الحزبي القديم، لا بدافع التغيير، بل بدافع الاستهلاك. تُنتقد السلطات باستمرار، لا بناءً على تحقيقات معمقة أو معطيات موثقة، بل وفق سرديات جاهزة، تُعيد إنتاج ثنائية “الصحافة الشجاعة” مقابل “السلطة القامعة”، حتى حين تكون الوقائع أكثر تعقيدًا.
الحاجة إلى مصالحة مع الصدق المهني
لا أحد يطالب الصحافة المستقلة بالتخلي عن النقد، ولا بالتواطؤ مع السلطة. المطلوب فقط هو الصدق: الصدق مع القارئ، ومع الذات، ومع الدور الحقيقي للمقاولة الإعلامية. إما صحافة رأي معروفة التوجه، أو صحافة إخبارية مهنية تحترم قواعد اللعبة. أما الجمع بين منطق الربح، وخطاب النضال، وادعاء تمثيل المجتمع أخلاقيًا، فهو خلط مُربك يسيء إلى المهنة أكثر مما يخدمها.
لقد آن الأوان لقطيعة حقيقية مع إرث “الصحافي المناضل” حين يُستعمل كقناع، لا كقناعة. فالصحافة، لكي تكون سلطة رابعة فعلية، لا تحتاج إلى لعب دور محامي الشيطان، بل إلى ممارسة النقد بعقل بارد، ومسؤولية مهنية، واستقلال فعلي… لا مُدّعى.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



