
في ذكرى رحيل الرايس الحسْن بلمودنْ…نصف قرن من “الرباب”..
- سعيد جليل //
ikks unbdad itallghatin
الموتُ خير من يُنبهنا نحن الأحياء إلى الوجود الذي ننساه بالاعتياد. والموت أفضل من يُعرّفنا بما نجهل من كثرة إيلافنا له واتصالنا به. الموت عدمٌ ضروري لإدراك وجود هشٍّ مهدد في كل لحظة…ومادام الأحياء موجودين متّصلي الذوات، فيكاد التساوي في الوجود يُنسيهم قيمة بعضهم البعض، إلى أن يتدخل الموت ويخلخل العادة والمألوف فينبّههم إلى جسامة الفقدان. يقول الفخر الرزاي:
والمرءُ مادام حيًّا يُستهانُ بِه ويَعظُمُ الرُّزْءُ فيهِ حينَ يُفتَقدُ
مسار فني حافل:
الرايس الحسن الأنصاري بلمودن الذي توقف مساره للأسف يوم الإثنين 20 يناير 2025 بمدينة الدارالبيضاء، ودُفن بمدينة أكَادير، معروف لدى الروايس بألقاب احترام وتقدير دالة، هي “دادا لحسْن” و”عمّي لحسْن”، كما أنه يُلقب في المهرجانات بمايسترو الرباب السوسي، وهي ألقاب لم تنشأ اعتباطا، بل نحتتها تجربة فريدة، وانتزعها حضور وازن عزّ نظيره في ميدان “تيرّويسا”.
كانت ولادة الرايس الحسْن سنة 1954 (في الوثائق الرسمية 1952) في “أولاد شنانْ” قريبا من بوابوضْ بنواحي شيشاوة، من أم متوكَية (متوكَة) وأب منتاكَي (أصله من دوار “أيت الطالب”، إمنتاكَن)، وأصل لقبه أنه ابن مؤدن المدرسة العلمية العتيقة بزاوية بويعنفرين شيشاوة. ارتاد “تيمزكَيدا” (المسيد) وبه تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم بفضل مثابرته التي كان وراءها حرصه على الحفظ قبل أقرانه حتى يصرف الفقيه النظر عن ولعه بالموسيقى والرباب، ويُقنع أباه -الذي كسّر رباب ابنه عدة مرات- أيضا بأنه سائر في طريق الذي أراده له. فقد كان الطفل الحسْن صنع آلة الرباب بنفسه منذ سن الثامنة، وحاول أن يعزف عليها الأغاني التي تلقفها سمعه من ريبيرتوار الرواد الروايس الكبار(الحاج بلعيد، بودراع، أموراكَ، أمنتاكَ،…).
أظهر ميولُه إلى الموسيقى والعزف موهبتَه في العزف على آلة الرباب مبكرا منذ عام 1965، وقد التحق مبكرا بمجموعة من الروايس المحليين الذي يزاوجون بين الغناء والتمثيل ويُحيون الأفراح المحلية. وفي 1967 ستبدأ رحلته مع الروايس وسنه بالكاد بلغت 13 عاما، ليكون من أصغر عازفي الرباب وليثير الانتباه إليه، إذ أدرك بعض القامات الفنية الكبيرة مثل: الحاج محمد أوموراك والرايس الجيلالي ومحمد أكَرام…وكان لزيارة فرقة الرايس محمد أعرابْ والرايسة فطومة تالكَريشت لقبيلة متوكَة تأثيرها الكبير على الرايس الحسن، لا سيما وأنها مكنته من التعرف أيضا على أعضاء الفرقة: الرايس محمد أكرايمي، عبد الكبير الفطواكي والحسن أزفاض(الناقوس)…بل إنه شارك الفرقة أداءها وأُعجب أعضاؤها بعزفه بعدما حلّ مكان عازف الفرقة الذي تنقصه بعض المهارة.
بعد ذلك، زار بلمودن عام 1968 مراكش بناء على دعوة الرايس أزافاض والرايسة تالكَريشت،…وكانت مناسبة سيكتشف فيها الروايس موهبته، ومنهم: محمد أوموراك، عمر واهروش، الرايس الجيلالي، الحسين باعبيش، الرايس إمها، الحسن الفطواكي، المهدي بن مبارك وعبد الله بن ادريس…على إثر ذلك عمل في قاعة عروض(سيرك بن ساسي) مع مجموعة فطومة تالكَريشت والرايسة باضّا…ثم ذاع صيته في حلقات جامع الفنا بين الروايس، بعدها ذلك سافر إلى الدارالبيضاء والرباط وسلا…حيث سيعمل مع الروايس الكبار هناك كالحاج محمد الدمسيري والمهدي بن مبارك ورقية الدمسيرية…وغيرهم.
في مراكش التي كانت ساحة جامع الفنا المعروفة محجا للرواد الكبار وتلامذتهم، منهم العازفون الكبار على الرباب مثل: محمد أوموراك وعبد الله بن دريس المزوضي محمد بن مبارك بونصير ومحمد أكَيلول، وأحمد أمنتاكَ ومحمد ألبنسير…وللفرق الكبيرة (فرقة أوموراكَ، أهروش، بن إحيا أوتزناختْ….) ، تعلم الفتى ذو الثالثة عشرة ربيعا منهم وتلقى أصول العزف وصقل موهبته، من خلال الالتحاق بفرقة محمد أموراكَ الذي وجده آنذاك شيخا قد هدّه الهرم والمرض بعد أن كان عميد الروايس وصلة وصل بينهم وبين قصور الأعيان لاسيما الباشا الكَلاوي، وفي هذه الفترة سجل آخر أعماله ” إقّنعا القلبْ…”. ويعترف بلمودن أن ألحان أوموراك تعد الأصعب ولا يجيد منها عزفا غير 60 في المائة.
تمكن بلمودن من الاحتكاك بفرقة عمر واهروش وغيرها، مثيرا انتباه الناس لا إلى حداثة سنه فقط لأن الصبيان كانوا من ضمن فرق الروايس مرددين وراقصين ومساعدين من قديم، بل إلى موهبته التي جعلته يقف ندا للكبار، ويضاهيهم في العزف، إذ في عام 1968 وعمره لا يتجاوز 16 عاما، سيشارك في أول تسجيل له مع الرايس الحسْن الفطواكي على “الفونو” (45 لفة) وإلى جانبه مولاي أحمد إحيحي عازفا على لوطار، وبعدها سيَعزف في أعمال مبارك أمكَرود (الكبير) ومحمد أباعمران وعبد الله بن ادريس، مبارك بن سعيد إحيحي، رقية الدمسيرية، الحسين بولمسايل، الحسْن بوميا المزوضي، المهدي بنمبارك… ثم عمر واهروش بعد أن تغيَّب محمد أومبارك بونصير عن التسجيل معه بسبب وجوده في بلدته وارزازات، مناسبةٌ ذهبية اكتشف فيها عمر واهروش مهارة بلمودن، ومنذ ذلك الحين صار منافسا لأستاذه بونصير، الذي يُكن له بلمودن كل الاحترام ويعترف بأستاذيته وبفضله عليه، لاسيما أنه مهد له ولوج عالم الأستوديوهات بإطلاعه على بعض التقنيات المهنية التي تُسهم في إنجاح العزف الخاص بالتسجيلات، على أن بونصير أيضا كان يُقدّر موهبة بلمودن ويُشاركه في العزف على لوطار في بعض التسجيلات لأنه بارع فيه أيضا، وتلك من شيم الكبار، الاعتراف المتبادل و “التسليمْ”.
هكذا يتبين أن بلمودنْ قد بدأ مساره الفني عازفا قويا مع جيل قويّ من أعلام الجيل الثالث ل للروايس (الحاج عمر واهروش – الحاج محمد الدمسيري – الحاج المهدي بن امبارك – عبد الله بن ادريس المزوضي …)، على أن أكثر ما اشتغل فيه مع الدمسيري عزف “تاسويسيتْ” في تسجيلات صوت النجوم(أكثر من ثلاثين تسجيلا)، كما شارك في تسجيلات أحمد أمنتاكَ، وكان بن ادريس وبونصير يفضلان العزف على لوطار ويُسندان العزف على الرباب لبلمودن.
أما في عام 1970 فسيلتقي مع الرايس الحسين بولمسايل وسعيد إحيحي ومولاي أحمد إحيحي(من جديد) وخدوج تازروالتْ ومبارك بن سعيد إحيحي ورقية الدمسيرية وإبراهيم بن ادريس المزوضي….ثم سيتعرف في الصويرة على الرايس محمد أوتاوليكولت…وفي أكَادير سيعمل مع الحاج المهدي بن مبارك الذي لازم فرقته ثلاث سنوات متواصلة (من 1971 إلى 1973)، مع حضور متواصل في دور التسجيل إلى جانب العازفين البارزين الذي سبق ذكرهم (بن ادريس، أكَيلول، الدمسيري…).
القامة الفنية الفريدة:
يُلخص مسار الرايس الراحل الحسن بلمودن الحافل بالعطاء والإنتاج، وسط أضواء الحفلات والمهرجانات أحيانا، وفي الظل وكواليس استوديوهات التسجيل معظم الأحيان، كل التحولات والتطورات التي يمكن أن تشهدها حياة الفنان الأمازيغي الذي يُمارس فن تيرّويسا، بل إنها تلخص مختلف محطات تطور هذا الفن. لا نبالغ إذا قلنا إن مكانة بلمودن في التاريخ المعاصر للروايس هي مكانة آلة الرباب في هذا الفن، التي ربما تشكل نصفه، وبذلك فقد صدق الرايس سعيد أوتاجاجت حين وصف بحُرقةٍ رحيل بلمودن المفاجئ، بأنه توديعٌ لـ”نصف الفنّ الأمازيغي”، ودّعه الروايس وافتقدته استوديوهات التسجيل والمحافل، وإذ رحل النصف فإن “تيرويسا” اليوم تعيش حالة يتم أليمة لا يدرك حقيقتها إلا الفنانون المحترفون الذين يُعوّلون كثيرا على مهارة “دادا لحسن” بلمودنْ الكبيرة في إنجاز أعمالهم إنجازا متقنا يمنحها المكانة المريحة في السوق الفنية.
وكأن بلمودنْ كان يتنبأ بدنو أجله ويرثي حاله حين قال:
” غيلاَ خ سولاخْ ءكَيكْ ريخْ ءايّي تالات ءاداكتْ ءاوا نْنّا؛
ءيمّا ءيخْ نمّوتْ ءاجّيتنْ ءامطّا هانّ ؤراد ءاخْ سولْ ءينْفْعا؛
ءا رّايْسْ ءاسْ نبيدّْ ءيخْ سولْ ءيسولْ نسقسا كَيسنْ ءاوا سلاّ…”
الرايس الحسن بلمودن عازف ماهر على مختلف الآلات الوترية كسالفه محمد بونصير، ويتقن خصوصا الكمان والرباب، كما يتقن الإيقاعيات، ويحسن تركيب الألحان واختيار الإيقاعات بما يتطلبه ذلك من خبرة بالأصوات وطبقاتها، والمقامات وخصوصياتها، إضافة إلى خبرته الكبيرة بعمليات التسجيل القديمة منها والحديثة. وهو إلى ذلك شاعر يبدع القصائد الغنائية، وله ذائقة شعرية جيدة تمكنه من تقييم الأعمال الفنية وإبداء الرأي فيها إيجابا وسلبا، عارفٌ جيد بكتّاب الكلمات الشعراء ومقدّر لهم كثيرا، تقديره للروايس المغنين والعازفين الذين يشتغلون معه.
يمكن اعتبارالرايس الحسن بلمودن تلميذا للرايس محمد أومبارك بونصير في العزف على آلة الرباب، وإن كان قد استفاد من كل العازفين الذين سبقوا هذا الأخير أو جايلوه (أوموراكَ، بن ادريس، الدمسيري، أكَيلولْ…)، وله فضل كبير في عملية تطويع آلة الرباب لأداء كل جديد، حتى صار كل العازفين الشباب يميلون إلى طريقته (لعصرتْ)، ويُقلدونه فيها على تفاوت في درجاتهم.
كان حريصا على هيبة فن الروايس مَظهرا ومَخبرا، فلم يكن يخرج للعروض الفنية إلا بالجلباب والبلغة والخنجر والشدّ، أي لباس الروايس، حتى ولو كان يشتغل مع مجموعة غنائية أو أوركسترا ترتدي الملابس العصرية، وفي جِدّه كما في هزله لم يكن يقبل المساس بالمهنة ومكانتها، ولا بالآلة الموسيقية “الرباب” التي يعتبرها آلة روحية لها حُرمتها، وفي هذا يُذكّرنا بالمرحوم أحمد أمنتاكَ في لباسه الأصيل الأنيق، وفي حرصه على غسل يديه جيدا قبل العزف على الرباب.
وفي تحسبه لكل شيء، كان يحمل معه قطع غيار الرباب وآلة ثانية من باب الاحتياط، بل كان يقتني أوتار الآلات الأخرى ويضعها في حقيبته، لأنه يشتغل مع دائما مع عازفين، وقد يقع طارئ ما أو تتقطع أوتار آلة ما، لذا يحتاط في العمل الذي لا ينبغي أن يتوقف احتراما للجمهور.
العطاء الفني الزاخر:
سجل بلمودن سنة 1969 للإذاعة الوطنية أغنيتين لدى المرحوم أحمد العسري أمزالْ (ت. 2012)، لكنه لم يكن راضيا عن أدائه لهما بعد مدة، فعاد وسحبهما وسجل بدلهما معزوفتين صامتتين، وأسهم في أعمال مجموعات “تادجارينْ” إلى جانب الحسين الباز ومولاي أحمد إحيحي. كما أسهم في إنجاز آلاف الأغاني الأمازيغية للروايس والرايسات(لعلها تتجاوز 3000 آلاف عمل) ما بين شريط كاسيط وقرص وكاسيط فيديو… ناهيك عما سجل من أغانٍ متداولة على الوسائط الرقمية، وفي إحياء المئات من السهرات والمناسبات والأفراح العامة والخاصة…وأصدر مؤخرا ألبومين، ولقيت محاورته للحسين أمراكشي المعنونة بـ”هادْ ياتْ المُفجأة راتنتْ نازنْ…” نجاحا كبيرا.
سجل مع عموري مبارك سنة 1979 أغنية “ءاوالْ ءينو كَان ءامازيغْ” بعد اجتهاد في عصرنة العزف على الرباب ليتوافق مع طبيعة الأغنية وأسلوب عموري الحديث. كما أنه كان يحضر تسجيلات فنانين ومجموعات أخرى غير الروايس، من باب الاستشارة وتقديم الخبرة، مثل تسجيلات مجموعة “أودادنْ”. كما خاض تجربة فريدة مع موسيقيين كنديين أعجبوا بأدائه، إذ بعد تسجيل عملهم الفني في أكَادير، سافر بدعوة منهم إلى كندا عام 1997 رفقة فرقة من 12 فردا، وقضى هناك شهرا شارك خلاله في حفلات ومهرجانات مختلفة، ومن لطف الأقدار أنهم نجوا بعد تعطل الطائرة في مرورهم عبر مدينة نيويورك، وهي ذكرى ظلت عالقة في ذهن الرايس بلمودن حتى وفاته.
ورغم أن كثيرا من الروايس المغنين هم أيضا عازفون كبارا مثل: أعراب أتيكَي، سعيد أوتاجاجت، عمر أتيكَي، عمر أزمزم، الحسين أمراكشي، عبد الله أعشاق، الحسين أتبير…وغيرهم، إلا أنهم لا يستغنون عن الرايس بلمودن في تسجيل أعمالهم، لأنه يُرضي رغبتهم في ذلك الجانب ويضفي الإتقان على إنتاجهم.
وفي تجربة الفيديوهات الغنائية المصورة لشركات على رأسها “وردة فيزيون” بداية من سنة 1989، سيكون الرايس بلمودن قائد فرقة العازفين الماهرين الذين سيُلقبون بالحُلفاء (بلمودن، بومليك، أعشاق، حطمات، بونصير،…) في جل أشرطة الروايس المشاهير(أمنتاكَ، أباعمران، بيهتي، أخطاب، الباز، أرسموك، أكَلاوو، الدمسيرية، أمراكشي…) وقد لقيت نجاحا كبيرا داخل الوطن وخارجه.
وفي كل ذلك، كان يشتغل في المهرجانات والمناسبات ودور التسجيل دون أن يشترط مقابلا محددا لأدائه، ودون أن يفرض شروطا معينة، من قبيل إثبات اسمه عازفا أو ملحنا أو كاتب كلمات على ظهر الأشرطة… وربما جعله ذلك محلّ استغلال من طرف كثير من المهنيين والمنتجين، وتلك آفة تنخر المجال الفني وتسيء إليه.
وشائع بين الروايس أن أعلى أجرِ تقاضاهُ بلمودن كان في زمن الكاسيط، إذ بعد إنهاء الاشتغال داخل الأستوديو على عدة أغانٍ لفنان شهير من الحوز، ناوله هذا الأخير مبلغ عشرة آلاف درهم، في وقت كان الرجل لا يحصل في الغالب إلا على خُمس هذا المبلغ، ويبدو أن ذلك الفنان كان مقدّرا لجهد بلمودن راضيا تمام الرضى عن أدائه من جهة، وكان يدرك من جهة أخرى أن عزف بلمودن عامل نجاح حاسم لعمله، ثم إن هذا الفنان الحوزي “مجدوب” لا يُقيم للمال أي وزن.
وللأسف فرغم أن الرايس بلمودن ذاكرة تاريخية فنية ومدرسة في العزف والمهارة كان يليق به أن يُدير معهدا لموسيقى الروايس وينبري لتدريس آلة الرباب والمقامات الأمازيغية وتاريخ تيرويسا العريق، وتكوين شباب يجمع بين الدراسة الموسيقية النظرية والدراية الميدانية العملية، تكون نتيجتها تكوين مهرة العازفين على الرباب السوسي، الذي وصل صداه إلى مختلف بقاع العالم بجهود فردية لا مؤسسية. ولعل هذا الإحساس بالمسؤولية عن هذا التراث الفني هو الذي دفع بلمودن إلى تسجيل حلقات موضوعها تعليم العزف على الرباب بثها على صفحته في اليوتيوبْ، وكانت موجهة بأفق بيداغوجي مهني أكثر منه مادي، وذلك بعدما عبّر في أكثر من مناسبة عن أسفه الشديد لعدم استثمار خبرته الفنية وخبرة أمثاله في تأطير الفنانين الشباب، والحفاظ على أصالة ورقي فن تيرويسا خاصة، والفن الأمازيغي عامة. ومن عدم استدعاء أهل الاختصاص في كل ما يتعلق بالموسيقى والفن، مما يفتح الباب للتطفل والادعاء والرداءة.
كان بلمودن حريصا على أخلاقيات المهنة، أي على ضوابط قيمية توجّه الفنان وتؤطر عمله، ومنها مثابرته وحرصه على الإتقان، والالتزام بالمواعيد والوعود، والغيرة على فن تيرويسا وصورته وآلاته وتاريخه، والاعتناء بالمظهر الأصيل للروايس، مظهر الأناقة والرزانة وقوة الحضور، وعدم إيلاء كل الأهمية للجانب المادي(المالي)، وتجنب الانتماء السياسي لأنه يرغم الفنان على التحيز، مما يضر به وبفنه الذي ينبغي أن يكون فنا للجميع لا فنا لحزب أو طائفة، مثلما كان يأنف من الرداءة في الكلمات والألحان والعزف، ويترفع عن صغائر الأمور التي تسيء إلى الفنان الحقيقي، إلخ. لذلك كان يغضب ويتوتر حين لا تسير الأمور كما ينبغي لها، وغضبُه يصدر عن نفسٍ صادقة نزيهة في القول والعمل، محبة للصدق والإتقان.
كنت شاهدا على وقائع كافية للتدليل على غيرته على فنّه؛ ذلك أن أدنى كلمة أو إشارة يُستفاد منها الاستهانة بالروايس أو تهكما ولو عفويا منهم، كان كافيا لاستفزاز الرايس بلمودن، فيستل ربابه، وينسحب من بين الروايس ويترك الحفل أو التظاهرة، مستقلا أول وسيلة نقل تمكنه من مغادرة المكان، غير متحسر ولا آبه بما سيخسره ماديا، مادام الرجل لم يخسر أنفته ومكانته الاعتبارية التي يحرص عليها أيَّما حرص.
بين التقليد والتجديد:
وبمقدار ما حاول بلمودن أن يتقن طُرق كلّ العازفين الكبار الذين أدركهم، حاول أن يُبدع طريقته الخاصة في العزف التي تختلف عن غيرها، مدخلا وجوابا وخاتمة، بل حتّى الآلة جعلها شخصية(شكلها، أوتارها، وزنها، قوسها…) يصعب على غيره أن يشتغل بها.
وقد اختلف بعض الروايس والعازفين مع بلمودن، ولهم موقف متحفظ من تجديده وطريقته، وسواء كنا نتفق معه أو نختلف، فلا نملك إلا احترام اجتهاده وتقديره منجهة، والدعوة إلى الحفاظ على ما كان كما كان، أو نجدده ليتناسب مع العصر. فالاختلاف المُعتبر عادة ما يكون في الجدّ ومهمات الأمور، فلو نظرنا إلى الأمور بموضوعية تامة، فإن بونصير أستاذه كان مجددا (خصوصا مع بيزماون)، ولو سار بلمودن على الطريقة التي وجد بها العزف في نهاية الستينات لما أمكننا أن نتحدث عن تجديد في الرباب يستوعب مختلف الإبداعات والألوان التي ابتكرها الروايس(بلفقيه، الباز، مولاي أحمد، أكَلاوو، أوتحناوت، أمركشي…)، وعليه فإننا نستطيع أن نقول إنه أنقذ الرباب من دائرة التقليد والنمطية من جهة، وفتح الباب من جهة أخرى لجيل من الشباب العازفين كي يبدعوا ويجعلوا الرباب مواكبا للعصر والذوق وتطور الفن…في هذا السياق فقط يمكن أن نفهم عبارة ” بلمودنْ أنقذ الربابْ” التي يرددها بعض الروايس المحترفين، إذا نظرنا إلى الأمور بموضوعية تامة، وإلا تم استبدال الرباب بآلات تستجيب للتجديد، شرقية كانت أم غربية.
وإن شئنا إجراء مقارنة بين الرايس بلمودن وغيره من عازفي الرباب، فيمكن القول إنه تفوق في الاستجابة لمتطلبات العزف التسجيلي (رباب ن سْتوديو) وفي ضبط تسويات الروايس والرايسات وحفظ ريبيرتوار الروايس، كما أبدع خواتم جديدة (تامسّوست/ ج.تيمسوسين)، ولو أنها تستجيب أكثر للرقص النسائي (تارايسين)، أما مولاي الحسين شنا فقد كان سيد العزف الحيّ (رباب ن ؤسايس)، والإتقان الفائق لريبيرتوار الروايس الأصيل بنوع من المحافظة على التراث العزفي، ومن ثمة كانت خواتمه في غاية الإتقان والبراعة، إذ كان يشتغل بتأن على الموروث، وكان يجعل الخاتمة الموسيقية في خدمة الرقص الرجالي (روايْسْ)، وقبلهما كان الرايس محمد أومبارك بونصير وفيا للأصيل مع أصحابه، لكنه دفع بالتجديد إلى أبعد مدى ممكن مع أحمد بيزماون.
شهادات اعتراف :
تم تكريم الرايس بلمودن في عدة محافل، منها مهرجان الروايس بتيزنيت، وليلة الوفاء للروايس بأكادير وفاز بجائزة الحاج بلعيد، عام 2010 ، كما تم تكريمه من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة في 20 أكتوبر 2018. غير أن الأهم أيضا هو الأثر الذي يُبوئُ الفنان مكانة خاصة في ميدانه، ويفرض على الفاعلين فيه الاعتراف به، إلى جانب التقدير الذي يتركه لدى الجمهور. يقول الروايس “إن بلمودنْ قد عرّفَ الأمازيغ (الشلوح) على الرباب، والطاوس قد عرّف العرب (ءاعرابنْ) عليه، وفولان قد عرّف الأجانب (إروميين) عليه” وهو قول صحيح، إذ رغم أن الأمازيغ ابتكروا الرباب (السوسي وحيد الوتر) وعرفوه واستعملوه، إلا أن أسراره ماتزال في حاجة إلى كشف واكتشاف، لذا فرغم أن لحسن بلمودن قد نجح في تطويع الرباب لأداء كل المقامات الأمازيغية المتوارثة والمحدثة، وقد أفنى عمره في التعامل مع الرباب، فهو يعترف أنه مازال يكتشف أشياء جديدة في تلك الآلة العجيبة لم يكن يعرفها من قبل. أما الحسين الطاوس فقد اجتهد في استعمال الرباب لأداء الأغاني والألحان الشعبية (العيطة)، والفنان فولانْ قد وظف الرباب في انسجام مع الموسيقى الغربية والفيزيون ومنحه أفقا عالميًا.
وهكذا، فعلى نهج أسلافه الروايس الرواد، بدأ بلمودن ب “الحْلقة” في مراكش وأكَادير مع مولاي أحمد إحيحي وهما يافعان، وخاض تجربة دور العروض (السيرك)، وخرج في جولات (ءاستارا) وأسفار (ءامودو) إلى مختلف المناطق، وأحيى سهرات في حفلات (إموسّوتنْ) ومواسم ومهرجانات، إلخ، حيث قال:
” كَيخْ لموساييحْ نزوكَ نكّا تيقبيلينْ
نستارا دّونيتْ نكّا دار ميدّن عدلنينْ…”
ثم تربع على عرش التسجيلات الصوتية والمرئية لفن الروائيس قائدا موجها لفرقة العازفين…كما قاد سمفونيات، حيث لحّن وعزف ونظم وغنّى أيضا، وإن كان أولا وأخيرا، فارس الرباب الذي لا يشق له غبار بلا منازع. وأوصل الرباب إلى كندا وعدة دول أوروبية.
الرايس الحسن بلمودن حاضرٌ في إنتاجات كل الروايس والرايسات، منذ الجيل الثالث (جيل أمنتاكَ، الدمسيري، المهدي بن مبارك…) إلى الجيل الحالي بنسبة كبيرة، لا يضاهيه فيها أي عازف منذ التسجيلات الأولى لبداية القرن إلى يومنا هذا. ويمكن القول بلا مبالغة إنه أسهم في نجاح وذيوع أعمال جلّ المنتمين إلى جيل الثمانينات كالحسين الباز، الحسْن أخطّابْ، رقية الدمسيرية، فاطمة تباعمرانت، حسن أكَلاوو، أحمد أوطالب ومحمد أمراكشي ومحمد أوتحناوت…ثم بعدهم حسن أرسموك وعمر أتيكَي والعربي إيحيحي…وصولا إلى سعيد أوتاجاجتْ والعربي أرسموك ومحمد أنضام…وهو في عزفه الاحترافي المتقن، لا يتصنع ولا يُميّز بين فنان وآخر، فكما يتحفز ويُتقن أعمال المشاهير، يبذل قصارى جهده في أعمال المبتدئين ولا يدخر جهدا في مساعدتهم ونصحهم وتوجيههم. عبّر عن ذلك بقوله:
” ؤر كابرْخْ ؤلا نحسادْ ؤر كَيخْ لعدو يّانْ
ءارّوايسْ كولو سّنّاخْ ءيسْ ؤر نحكَر يانْ…”
وبجملة مختصرة دالة وصَفَ تعامله مع الفنانين جميعا بقوله: ” ويلّي مقّورْنينْ كَانْ زودْ ءايتْما، ويلّي مزّينينْ كَانْ زودْ تاروا نْوْ”. (الكبار مثل إخوتي، والصغار مثل أبنائي). وهي عبارة تعني أخلاقيا ومهنيا المساواة، إن لم تحمل أكثر من ذلك، إنصافًا للصغير(الابن) يضمن له رعاية واهتماما أكبر، كما تعني أن بلمودنْ شيخٌ مع الشيوخ وشابٌّ مع الشباب، أي أنه عازفٌ لكل الأجيال، لذا كان عازفا يُجسد نوعا من الإجماع على تقدير عطائه والإعلاء من شأن فنّ “تيرّويسا” وأخلاقياته، والترفع عن الصراعات الهامشية والادعاء الذي لا يقوم على أساس، وكأنه يُذكرنا بصورة المرحوم محمد الدمسيري (ت. 1989).
هذه الحقيقة ستزكيها شهادة الرايس الحسين أمراكشي حينما وجه إليه الكلام قائلا:
” منشك ن يانْ ءامو تمليتْ إركَازْنْ
منشك ن يانْ ءامو تمليتْ إقصيدنْ
منشك ن يانْ ءامو تمليتْ إبريدْنْ…”
وفي عمله عازفًا، يرى أنه “لا يكفي أن تعرف اللحن المنجز وتعزفه، بل ينبغي أكثر من هذا، أن يكون العزف طروبا (تاميمتْ)”، بمعنى أنه لم يكن يُغلب جانب الربح ولا يتسرع للتخلص من العمل الذي أمامه، بل يهمه مستقبل ذلك العمل فنًّا ولحنًا وأداءً، فنجاح ذلك العمل في كليته هو نجاح له ولكل المشاركين فيه.
وإذ لا يخفى أن مجال الفنّ تلعب فيه المعنويات دورا كبيرا في تحفيز المواهب ودفعها إلى المثابرة والإبداع، فإن بلمودن لم يكن إلا مشجعا للشباب، لا يثبط عزيمة راغب في تعلم الرباب أو طالب للتسجيل والشهرة في عالم الفن الغناء…ويضع نفسه رهن إشارة الجميع في التعلم والتوجيه، ويقدم باستمرار ما بوسعه للمساعدة في التلحين والتسجيل، بل وفي الكلمات أحيانا. ورغم أن كل بداية تكون تقليدا ومحاكاة لأعمال السابقين، والمرء لا يُقلد إلا ما يُعجبه من الأعمال الفنية، فإن بلمودن ينصح الشباب بنحت مسارهم الخاص والاجتهاد وإبداع أعمال خاصة بعيدا عن التقليد الذي يؤدي إلى انسداد الأفق.
واعترافا بقيمة الرايس بلمودن ومهارته فقد شهد له الروايس في قصائدهم بباعه وخبرته، يقول الحسين أمراكشي في:
” ها يانْ بو رّيبابْ ءيصْحانْ ءيطّافنْ تّاريخْ نّْسْ؛
ءيكَا ءاقديمْ لحربْ ءيْسوياسْ ؤراتنْ سّيحيلنْ؛
ءا بلمودّنْ ضّْربْ نّكْ ؤر ءيلولْ لماثالْ نّسْ…”
وقال عنه الرايس بيهتي في التسعينات واصفا جودة عزفه، وارتياحه لوجود بلمودن بجانبه:
“…ؤلا بلمودّن لاّهْ ءافلانْ ءاراسْ نفرحْ
ءيكادْ رّيبابْ نّسْ ءار ءاخْ ءيسْونّاسْ
ؤ رءاكّ نحتّاجا غواد ءينوْ ءاتّنْ سول نكّاتْ”
وفي سهرة بالمعدر(تزنيت) جمع الرايس بيهتي – وهو العارف بمكانة الرجل وقيمة عزفه- بين الترحيب بالرايس بلمودن، وتأكيده دوره الرئيس في تسجيلات الروايس الفنية، فقال:
“…ئوا بلّمودّن راد ءاك نيني فرح ؤكانْ
ئكَا رّايس ن رّيبابْ ؤرتا يلاّ ويسّينْ
كولّو ما يران ءادّ ئعمّر ؤكان لكاسيطْ
ئخ ؤر ئلّي رّيبابْ نّس ؤرا تّيميمنتْ…”
وشهادة الراحل محمد أباعمران عنه: ” ها بابْ ن الرّبابْ هاتْ، غوا (د) ؤر ءيلي مارات سول ءيخلف خ تشلحيْت ساعتا، ءيخ ءيموت ءيخاسد سول ءيكَرا كرا ءاتّ ءيخلف، اللهُ أعلم…ءيما ساعتا(د) غواد ءايكَان ءاربايبي”. (هذا هو عازف الرباب، ليس هناك من سيخلفه حاليا، إذا استجد خلفٌ له مستقبلا اللهُ أعلم، أما حاليا فلا مثل له).
وكما كان وفيا لفن الروايس خلقا وهنداما، فقد كان وفيا لآلة الرباب التي لم يستبدلها طوال حياته، إذ لا يغير سوى القطع الفضية التي تزينها كلما اقتضى الأمر، تلك الآلة كان قد صنعها من قطعة خشب الجوز، والتي كانت جزءا من إحدى موائد الباشا الكَلاوي، وهو الباشا الذي فتح المجال أمام الحاج بلعيد وغيره للشهرة والتسجيل الصوتي في الثلاثينات، ويالها من مصادفة عجيبة. ورباب بلمودن فريد، ليس في مصدره وعلاقة الوفاء التي تربطه بصاحبه فقط، بل أيضا بأهم مكوناته “الفتلة” أي مجموع الأوتار التي تصدر الأصوات بالاحتكاك، فهي فتلة سميكة تتطلب قوة عضلية في العزف وفي الشد لضبط التسوية (المساوية) لذلك يصعب على غير بلمودن استعماله.
نتطلع إلى إطلاق اسم هذا الفنان الكبير الذي لا يعوض فقدانه على إحدى المعالم الفنية لبلدنا ذات العلاقة بتراثنا الموسيقي لاسيما فن الروايس الذي أفنى عمره في خدمته، وهو وجه من أوجه الهوية الثقافية الأمازيغية، على أنه كان واعيا في عمله وفي شعره بهويته معتزا بها، إذ قال:
” لاصلْ ءينو كَانْ ءامازيغْ نزعمْ باهرا سرسْ
ؤردْ نفلْ دّلّ ؤلا راتّن ناوي نبرّاتْ
ءايْمازيغنْ يا وّاوالْ ءا كّولّو تكَم يانْ
ءافوسْ ءايلي خ ؤفوسْ ءاكّن ؤر ءيبضو يانْ”.
كان بإمكانه أن يسجل كما هائلا من الأغاني الخاصة به، لكنه أدرك جيدا محدودية قدراته الصوتية، أدرك أن قوته في عزفه، وأن قيمة المرء ما يُحسن…فسجل القليل جدا من الأغاني ولكنه أطلق موهبته في العزف فأنطَقت الأناملُ الأوتارَ بما لم تعزفه الأوائل ولا الأواخر…وقد نجح في مساره…أكثر بكثير من الذين جمعوا بين العزف والغناء والنظم والتمثيل، ومن جمع الكثير قد لا يفلح في القليل ولا في الكثير.
مراجع وإحالات:
تيرويسا، ج 3، محمد ولكاش، المطبعة المركزية، ط1/ 2022.
في ذاكرة الموسيقة الأمازيغية، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ط1/ 2021.
سعيد جليل، دراسات في التراث الشعري والغنائي الأمازيغي، مطبعة بلال، فاس، 2021.
ديوان الرايس إبراهيم بيهتي، جمع وتحقيق وتقديم، سعيد جليل (مرقون).
شهادات: بوبكر أشتوك، سعيد أوتاجاجت، أحمد أوطالب المزوضي، الطيب المزوضي جايت، سعيد إدبناصر،..
حوار مع المرحوم محمد أومبارك بونصير أجراه إبراهيم اليعقوبي، جريدة تيلواح، العدد 10 يونيو 2005.
حوارات مع الراحل الحسن بلمودن أجراها: محمد ولكاش، سعيد أوتاجاجت، عبد الله طالب علي، محمد أمخاو، سعيد جليل…
أشرطة كاسيط/ فيديو…تسجيلات على يوتيوب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



