العالم اليوم

سجل الأمم المتحدة يفرض البحث عن بدائل :  مجلس السلام نموذجًا

  • بقلم : بوشعيب حمراوي //

من يخاف على مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة من ميلاد مجلس السلام، فهو واحدٌ من اثنين لا ثالث لهما : إمّا أنه يمتلك حق الفيتو ويخشى فقدان سلاح الابتزاز الدولي الذي حكم به العالم لعقود،أو أنه يعيش تحت رحمة من يمتلكونه، ويخاف أن يُسحب عنه غطاء الوهم الذي يحمي أنظمة هشة ومواقف بلا سيادة.

وما عدا ذلك، فقد يكون من أولئك الذين يسبحون في عوالم سياسية لا يفقهون فيها، ويرددون مواقف جاهزة دون فهم لموازين القوة ولا لتحولات النظام الدولي الذي لا يؤمن بالحقوق والواجبات التي يسوق لها بقدر ما يؤمن بموازين الربح والخسارة. باعتبار أن الأنظمة لم تعد تدير دولا وشعوبا، ولكنها تدير شركات.

مجلس السلام لن يكون أفظع من هيئة أممية يحكمها (الفيتو)

مهما يكن شكل هذا (المولود الجديد)، فلن يكون أفظع ولا أشرس من هيئة أممية ذُبحت الديمقراطية داخل أروقتها، وتحولت فيها العدالة إلى انتقائية، والشرعية إلى مزاد علني، وحقوق الشعوب إلى أوراق تفاوض تُستعمل عند الحاجة وتُرمى عند أول تعارض مع مصالح الكبار.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بإلحاح:ماذا حققت هيئة الأمم المتحدة للشعوب المستضعفة؟

ماذا أنجزت فعليًا في مجال الحريات وحقوق الإنسان، وعلى رأسها الحق في الأمن والاستقرار والعيش الكريم؟

كم طفلًا جائعًا أنقذت من الموت خارج كاميرات التضامن الموسمي؟

كم مريضًا عالجت خارج بيانات القلق وبلاغات (نحث وندين ونعرب عن الانشغال العميق)؟

كم لاجئًا أعادت له كرامته، بدل تحويله إلى رقم في مخيمات البؤس، وسلعة ضغط في مفاوضات إقليمية؟

كم حربًا أوقفت قبل أن تلتهم الدول الضعيفة وتحوّلها إلى ساحات صراع بالوكالة؟

وكم دولة حمت من بطش الإرهابيين، وتجار البشر، وأمراء الدم، ومن شبكات نهب الثروات الطبيعية؟

كم مرة وقفت بصدق وحزم في وجه من استباح النفط والغاز والذهب، وحوّل ثروات الشعوب إلى حسابات بنكية في عواصم بعيدة، بينما تُترك الشعوب لمصير الفقر والهشاشة؟

لقد أثبت الواقع أن هذه الهيئة الأممية: لم تمنع المجازر، ولم توقف الإبادة،

ولم تُنقذ الطفولة، ولم تحمِ السيادة..

بل كثيرًا ما شرعنت تلك الهيئة، الظلم بالصمت، وغطّت الجريمة بالإجراءات، وباركت الفوضى باسم التوازنات الدولية والشرعية الأممية.  إن الخلل ليس فقط في الممارسة، بل في البنية نفسها : مجلس أمن يحتكر القرار، وحق فيتو يُعطّل العدالة يذبح الديمقراطية، ونظام دولي يقوم على منطق الغلبة لا على مبدأ الإنصاف.

لذلك، من يخاف من مجلس السلام، لا يخاف على العالم ولا على السلم الدولي. بل يخاف على امتيازاته، وعلى نظام دولي مختلّ، يُدار بالفيتو لا بالقيم، وبالقوة لا بالحق، وبمصالح الكبار لا بكرامة الشعوب.

أما الشعوب، فقد تعبت من انتظار عدالة لا تأتي، وسلام لا يولد، وإنسانية تُذبح كل يوم داخل قاعات يُفترض أنها وُجدت لحمايتها، لا لإدارة عجزها.

لن أقول إن خيار مجلس السلام هو الخيار المثالي، ولن أزعم أنه الحلّ المُنقذ أو العصا السحرية لعالم مختلّ ومليء بالتناقضات. لكنني متيقّن، دون تردّد، أننا في حاجة ماسّة إلى خيار بديل، وأن البشرية لم تعد تحتمل الارتهان لمؤسسات شاخت سياسيًا وأخلاقيًا قبل أن تُنصف.

نبحث  عن هيئة دولية لنا اسم وفعل  وأصدقاء  داخلها

نحن نبحث ـ بوعي سياسي وتاريخي ـ عن هيئة لها اسم يُحترم، وفعل يُمارَس داخلها، لا عن لافتة جديدة تُعلّق على جدار الفشل الدولي، ولا عن نسخة محسّنة من مؤسسات أثبتت حدودها وعجزها البنيوي.

وفي المغرب، نحن في حاجة إلى هيئة لنا اسم وفعل داخلها، هيئة لنا أصدقاء حقيقيون داخلها، ورفقاء يدافعون عن مصالح المغرب والمغاربة، بوضوح، وبلا عقد ذنب، وبلا ترديد لشعارات جوفاء عن الحياد الزائف.

فما بالك بهيئة سيُسجّل التاريخ أننا من مؤسسيها، بشراكة مع دولة عظمى هي الولايات المتحدة الأمريكية، التي كنا أول دولة اعترفت بميلادها، وتربطنا بها علاقات تاريخية واستراتيجية قائمة على المصالح الواضحة لا المجاملات. دولة عظمى تدعم وحدتنا الترابية بوضوح، وتدافع بشراسة عن حقوقنا ومطالبنا العادلة، في مواجهة أعداء وخصوم. والأكثر إيلامًا: في مواجهة من يُفترض أنهم أشقاء وجيران، لكنهم اختاروا الاصطفاف ضد التاريخ والجغرافيا والمنطق، وضد مصالح شعوبهم قبل غيرهم.

لسنا سُذّجًا لنؤمن بالملائكية في العلاقات الدولية، ولا نُسوّق للأوهام،

لكننا أيضًا لسنا مُضطرين للبقاء أسرى مؤسسات شاخت قبل أن تُنصف. تحوّلت من فضاءات لصناعة السلام إلى غرف انتظار لبيانات باردة لا تُغيّر شيئًا على الأرض.

مجلس السلام ليس وعدًا بالجنة، لكنه محاولة عقلانية وشجاعة للخروج من جحيم العبث الدولي، ومن حق المغرب، بل من واجبه التاريخي والسيادي،أن يكون حيث تُصنع البدائل، لا حيث يُعاد إنتاج الفشل، ولا حيث تُدار الأزمات بدل حلّها.

ومن المؤشرات الدالّة على التحوّل في موازين التعاطي الدولي مع المغرب، أن المملكة أُعفيت من أداء مبلغ مليار دولار كان مطروحًا ضمن كلفة الانخراط في هذه الصيغة الجديدة من العمل الدولي، وهو إعفاء لا يمكن قراءته كامتياز مالي فحسب، بل كـاعتراف سياسي بثقل المغرب، وبمصداقية أدواره، وبقيمته كشريك موثوق في أي تصور بديل لصناعة السلم والأمن الدوليين. فالدول لا تُعفى من مثل هذه الالتزامات إلا حين تكون جزءًا من الحل، لا عبئًا عليه.

ويكتمل هذا المعطى بدلالة أخرى لا تقل أهمية، حين اختار المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس الخوض في مختلف بؤر التوتر والنزاعات عبر العالم، دون أي إشارة إلى قضية الصحراء المغربية. هذا الصمت ليس سهوًا ولا تجاهلًا، بل موقف سياسي محسوب، مفاده أن هذا الملف لم يعد مطروحًا كقضية نزاع داخل دوائر القرار الجاد، وأنه حُسم من حيث الجوهر، وبات يُنظر إليه كجزء من استقرار إقليمي لا كعامل توتر.

إن تغييب الصحراء المغربية عن نقاشات الأزمات العالمية الكبرى، في فضاء يُدقّق في أدق تفاصيل الصراعات، رسالة واضحة إلى العالم : المغرب ليس دولة إشكال، بل دولة استقرار، وليس موضوع نزاع، بل فاعل موثوق في بناء الحلول، وهو ما يمنح انخراطه في أي إطار جديد، من قبيل مجلس السلام، مشروعية إضافية، ويُحوّل حضوره من مجرّد مشاركة إلى قيمة مضافة في هندسة نظام دولي أقل نفاقًا وأكثر واقعية.

قد لا يروق للبعض أسلوب دونالد ترامب، ولا لغته الصدامية، ولا قراراته المفاجئة، ولا حتى تهجّماته العلنية على دول وزعماء.وهو أمر مفهوم في عالم اعتاد الدبلوماسية الناعمة واللغة الخشبية.

كما أن التخوّف من أن يتحوّل مجلس السلام إلى منصة تُستعمل لفرض

قرارات جائرة على دول وشعوب بعينها، يبقى تخوفًا مشروعًا في ظاهره،

لكنّه، عند التمحيص، يفتقد إلى المبررات الواقعية إذا ما استُحضرت ذاكرة القرارات الأممية نفسها، وتاريخ الصمت الدولي المريب أمام مآسٍ إنسانية لا تُحصى .

فأين كانت الأمم المتحدة ومجلس أمنها حين أُريد لدول كاملة أن تُدفَع نحو الحروب الأهلية والدمار الشامل دون أسباب حقيقية، أو بذريعة ذرائع ثبت زيفها لاحقًا؟

وأين كانت “الشرعية الدولية” حين فُتحت أبواب الجحيم على شعوب لم تختر الحرب، ولم تُستشر في مصيرها؟.النماذج ليست استثناءات، بل سلسلة ممتدة من الفشل الدولي.

فلسطين تُذبح منذ عقود أمام أعين العالم، العراق دُمّر باسم أسلحة لم تُوجد، لبنان أُنهك بالوصاية والفوضى، اليمن حُوّل إلى أكبر مأساة إنسانية معاصرة، ليبيا تُركت نهبًا للميليشيات، سوريا دُمّرت باسم توازنات كبرى، السودان غارق في صراع عبثي، وأفغانستان تُرك شعبها لمصير مظلم بعد عقدين من التدخل. كل هذا حدث تحت مظلة الأمم المتحدة، وبصمت مطبق لمجلس الأمن، وبقرارات مُعطّلة بالفيتو،أو ببلاغات إدانة لا تُنقذ إنسانًا ولا توقف رصاصة..

أمام هذا السجل الثقيل، يصبح التخوّف من جرأة ترامب وصراحته، أخفّ وطأة من الخوف من نفاق دولي مُقنّع. فترامب، على الأقل، يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، ولا يختبئ خلف لغة مزدوجة، ولا يُغلف المصالح الكبرى بخطاب إنساني زائف.

نحن لا نزعم أن ترامب ملاك، ولا أن قراراته خالية من الحسابات،

لكننا نُقارن بين صراحة فجة وبين نفاق مؤسساتي قاتل، وبين رئيس يتحمّل تبعات مواقفه علنًا، ومنظومة دولية تُدير الجرائم بالتقارير.

أما نحن، كمغاربة، فموقفنا لا ينطلق من انبهار بشخص، بل من حسابات سيادية واضحة، ومن تاريخ علاقات راسخة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومن إشارات سياسية ملموسة، لا من وعود عائمة.

لقد أبانت الولايتان السابقتان والحالية لترامب عن مواقف أمريكية واضحة اتجاه المغرب، خصوصًا في ما يتعلّق بوحدته الترابية، ودعم خياراته الإستراتيجية، واحترام موقعه الجيوسياسي كشريك جادّ ومستقرّ.

لهذا نُفضّل الوضوح على الغموض، والحلفاء الصريحين على أصدقاء البيانات، ونُدرك أن السياسة الدولية لا تُدار بالعواطف،بل بالمصالح المتبادلة. وبمن يملك الجرأة على الدفاع عن حلفائه لا التخلي عنهم عند أول اختبار.

الخوف الحقيقي إذن، ليس من مجلس السلام، ولا من شخصية ترامب، بل من استمرار الارتهان لمنظومة دولية، أثبتت أنها بارعة في إدارة الفوضى، وعاجزة عن صناعة السلام

مؤامرة التقسيم  والنهب تُدار قبل ترامب باسم الديمقراطية  الوهمية

لم يكن ما جرى ويجري في عدد من الدول العربية والإسلامية نتاج صدفة تاريخية، ولا مجرد أخطاء داخلية معزولة، بل هو جزء من مخطط دولي ممنهج يقوم على تفكيك الدول من الداخل، عبر إذكاء الصراعات القبلية والعرقية والطائفية والدينية، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى حرب وجود. لقد اشتغلت مراكز القرار العالمية، منذ سنوات، على خرائط بديلة للمنطقة، تُعاد فيها هندسة الجغرافيا السياسية بما يخدم منطق (فرّق تسُد)، ويُسهّل التحكم في الثروات وإدامة النفوذ.

ما وقع في فلسطين، والعراق، وسوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، وأفغانستان، ليس إلا حلقات في مسلسل واحد: إضعاف الدولة المركزية، تفكيك الجيوش الوطنية، شيطنة المؤسسات، ثم ترك الشعوب تتناحر، قبل التدخل تحت عناوين إنسانية أو أممية فقدت مصداقيتها. والأخطر أن كل ذلك تمّ، في الغالب، تحت أنظار الأمم المتحدة، أو بصمتها، أو بعجزها المتعمّد، إن لم نقل أحيانًا بتوفير الغطاء السياسي والقانوني.

لم تكن (خرائط التقسيم) التي نُشرت في الصحافة الغربية  قبل عقود مجرّد تمارين فكرية أو تحليلات صحفية، بل كانت تسريبات مدروسة لما يدور داخل مطابخ القرار، حيث تُحوَّل الدول إلى مشاريع تفكيك، والثروات إلى غنائم، والشعوب إلى وقود للفوضى. وما سُمّي زورًا بـ(الربيع العربي) لم يُنتج، في أغلب محطاته، لا ديمقراطية ولا تنمية، بل فراغًا أمنيًا، وحروبًا أهلية، وانهيارًا اقتصاديًا، وتمزيقًا للنسيج المجتمعي.

إن أخطر ما في هذه المؤامرة ليس فقط دهاء المخططين، بل سهولة توظيف هشاشة الداخل: أنظمة فاسدة، نخب انتهازية، إعلام مأجور، وفصائل تتغذى من الصراع أكثر مما تسعى إلى الحل. وحين تفقد الشعوب بوصلتها، يصبح من السهل تحويلها إلى حطب يُشعل به الآخرون نيرانهم، بينما يتقاسمون الغنائم في الغرف المغلقة.

من هنا، فإن الحديث عن بدائل للنظام الدولي القائم، وعن أطر جديدة لصناعة السلام، ليس ترفًا فكريًا ولا مغامرة سياسية، بل حاجة دفاعية لحماية ما تبقى من الدول، وصيانة سيادتها، وقطع الطريق على مشاريع التفتيت المقنّع التي تُدار باسم حقوق الإنسان تارة، وباسم محاربة الإرهاب تارة أخرى، بينما الهدف الحقيقي واحد: إضعاف الدولة الوطنية وإدامة الهيمنة.

ومن باب التذكير التاريخي الضروري، فإن كثيرًا من هذه المؤامرات الكبرى، وخرائط التفكيك، ومشاريع الفوضى الخلّاقة، كانت تُحاك وتُنفّذ في زمنٍ كان فيه دونالد ترامب بعيدًا تمامًا عن عالم السياسة.

كان آنذاك يسبح في بحر المال والأعمال، ويظهر في حلبات المصارعة الأمريكية، بعيدًا عن غرف القرار، وعن موائد تقسيم الدول، وعن خرائط الدم التي رُسمت للمنطقة العربية والإسلامية.

بل إن تلك الحلبات الاستعراضية عرّضته غير ما مرة للكمات قوية وسقوط علني أمام الجمهور، في فضاءات صراع رمزي لا علاقة لها بالسياسة الدولية، في الوقت الذي كانت فيه دول تُفكك، وجيوش تُدمَّر، وأنظمة تُسقط، وشعوب تُدفع نحو الاقتتال الداخلي، بقرارات اتُّخذت داخل مؤسسات دولية يفترض أنها وُجدت لحماية السلم والأمن الدوليين.

هذا التذكير ليس تبرئة لأحد، بل تصحيح لمسار الاتهام، لأن تحميل ترامب مسؤولية فوضى صُنعت قبله بسنوات، وتغاضٍ عن أدوار لاعبين سياسيين آخرين كانوا في صلب القرار والتنفيذ، ليس سوى هروب من الحقيقة، ومحاولة لإعادة تدوير سردية مريحة،تُخفي فشل منظومة دولية كاملة. وتبحث عن شماعة جاهزة تُعلَّق عليها كل الكوارث.

إن المشكلة لم تكن يومًا في شخص واحد، بل في نظام دولي سمح بتفكيك الدول، وشرعن الصمت، وأدار المآسي بالبيانات، وهو النظام نفسه الذي يثير اليوم الفزع كلما طُرح الحديث عن بدائل، أو عن أطر جديدة قد تُربك قواعد لعبه القديمة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى