
اللمة تغذي جذور الوطن
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
ليست الأزمات التي تحاصرنا اليوم قدَرًا أعمى، بل صنيعة أيدينا حين أفرغنا طاقتنا في صناعة البؤس، ودرّبنا أنفسنا على تغذية اليأس، ونسينا عن وعي أو غفلة، أن جزءًا يسيرًا من هذا الجهد كان كفيلًا ببناء الكرامة وتشييد السعادة وزرع المحبة بيننا.
اعتدنا أن نرى بعيون الغضب قبل عقولنا وقلوبنا، وأن نسترق السمع لما لا يعنينا، وأن نغوص في مشاكل غيرنا لا لنحلّها بل لنزيدها تعقيدًا. هكذا تحوّل الفضول إلى أذى، والاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى معول هدم.. إلى تصفية حسابات، والفضول إلى سلوك عدائي يفتك بالنسيج الاجتماعي.
للأسف، تعلّمنا أن نحتضن الغريب ونُهمل القريب، وأن نترك الأبواب بلا حسيب ولا رقيب. قيمٌ قد تُصيب وقد تُخيب، لكنها تصبح خطرًا داهمًا حين تتكاثر الخيانات ويتربّص بالوطن متربّصون؛ عندها لا بدّ من التدقيق والبحث والتنقيب، لا بدّ من ميزان يزن النوايا قبل الأفعال، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
وفي خضم هذا الغليان، نسينا أن نقتطع قسطًا صغيرًا من غلّنا لمواجهة أعدائنا الحقيقيين، وأن نمنح بعضنا بعضًا وقتًا للتسامح والتلاحم والتفاهم. نسينا أن سمومنا إن أحسنا توجيهها، قد تتحوّل إلى أسلحة تحمينا وتُرهب خصومنا، لا إلى سهامٍ نغرسها في ظهور بعضنا فنضعف ونتشتّت.
اللمة الشعبية ليست شعارًا عابرًا، بل صمّام الأمان لكل مشروع وطني. هي الضمانة الوحيدة لإيقاف زحف الفساد والاستبداد، وهي الشرط الأول لأي تغيير نحو الأفضل. التغيير لا يبدأ من الخارج، بل من داخلنا: من إعادة شحن الثقة، وترميم الجسور، وتمتين الصفوف. هكذا فقط يتحوّل الغضب إلى طاقة بناء، والاختلاف إلى ثراء، والنقد إلى إصلاح.
ولأن الإيمان ليس طقسًا معزولًا بين جدران المساجد، فقد نسينا أن رضا الله يسكن أيضًا الأزقة الهامشية والقرى النائية، حيث يئنّ الناس من قسوة العيش وظلم البشر. هناك أبواب مفتوحة ليل نهار، تنتظر من يقتحمها ليغيّر حياة من بداخلها. هناك تُختبر الأخلاق، وتُقاس صدقية الشعارات.
الحياة مهما طالت، ليست سوى ومضات بين حلم وكابوس، وبين حقيقة وستارة رقيقة داخل العين. ذرة في الدماغ قد تقلب المشهد كله. لذلك، أخطاؤنا على تفاهتها، ليست من الكبائر، ويمكن تداركها إن صدقت النية واستقام العقل. لم يكن العقل دائمًا مرشدنا، ولم نتعلّم بعد كيف ننهي الهموم ونذيب السموم، و نتقبّل أقدار السماء، ممطرة كانت أم سحابًا بلا غيوم.
هذه ليست نصيحة عابرة ولا موعظة ثقيلة؛ إنها نداء يقظة. نداء إلى تصحيح المسار، وتخفيف الأوزار، واستعادة الشرف، ذلك المفتاح الذي يفتح الأبواب ويُبعد القرف وجنب أجيالنا التلف والخرف. لنبني وطنًا في القمّة، وحياة راقية، تحت شعار جامع لا يُقصي أحدًا..كلّنا مغاربة، وكلّنا أمازيغيون، وكلّنا عرب، وكلّنا مسلمون. وقبل كل هذا وذاك .. كلنا آدميون. فاللمة اختيار… وحين نختاره، يعلو الوطن. حين يبحث الإنسان عن بديل لعالم فقد بوصلته، يدخل في حالة شرود. وفي لحظة تأمل قاسية، يراود الإنسان مشروع: هل يمكن لعالم آخر أن يوجد؟.
عالم لا يحتاج فيه البشر إلى كاميرات لمراقبة بعضهم، ولا إلى دوريات لحماية تنقلاتهم، ولا إلى محاكم لإنصاف المظلومين، لأن الظلم لم يعد سلوكًا عاديًا، ولا الفساد نظامًا غير معلن.
شرود نحو عالم لا سماسرة فيه يشعلون الأسعار، ولا وسطاء يزرعون الفتن، ولا أسواق تُدار بالجشع والخداع. عالم مضيء بأخلاق رواده، لا بإنارته العمومية. عالم تُلغى فيه كلمات من قبيل: قمع، وصاية، سلطة متوحشة، لأن الإنسان فيه صار رقيبًا على نفسه، ومسؤولًا عن أمن غيره.
في هذا الشرود، يطفو السؤال الأخطر: كيف رخصت البشرية لنزيف دمائها؟.
ذلك السائل الأحمر، النادر والنفيس، الذي يجري في كل العروق بنفس اللون والوظيفة، صار وقودًا للحروب، وزيتًا لآلات القتل، ومادة رخيصة تُهدر بلا حساب. كيف لدموع البشر(وهي صمام أمان الجسد والروح،أن تتحول من علاج للحزن وختم للمتعة والفرح، إلى مشاهد عابرة لا تحرّك ضميرًا؟.
وكيف لعرق العامل والكادح، وعرق المنتشي بالحياة، أن يُساوى بالإهمال والنسيان؟.
إن طريقة تدبير هذه السوائل الثلاث (الدم، الدموع، العرق)، هي التي تحدد قيمة الإنسان، وهوية المجتمع، ومسار المستقبل. فحيث تُهدر، تنهار الأخلاق، وحيث تُصان، ولد الأمل.
ذلك الشرود ليس هروبًا، بل إدانة صامتة لعالم قذر لوّثته سكاكين الفساد والاستبداد، وتبادل الطعن بين أبنائه في السكون والحراك. شرود يبحث عن بشر لا تؤمن بالحدود الضيقة، ولا ترى اختلاف اللون واللغة والدين سببًا للتفاضل، بشر استأصلوا قاموس التفرقة من لغتهم قبل عقولهم. ونسوا أو تناسوا أن اللمة هي طريق النجاة الوحيدة.
ولأن الإيمان لا يُختزل في جدران المساجد، فقد نسينا أن رضا الله يسكن أيضًا الأحياء الهامشية والقرى المنسية، حيث يئن الناس من قسوة العيش وظلم البشر. هناك تُختبر الأخلاق، لا في الخطب، بل في الفعل. هناك أبواب مفتوحة تنتظر من يقتحمها ليغيّر مصير من بداخلها. هناك يفترض أن يسود قانون (استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله)، ذلك القانون الذي يدار داخل المساجد فقط.
الحياة(مهما امتدت)، ليست سوى ومضة بين حلم وكابوس. وأخطاؤنا، وإن بدت صغيرة، قادرة على تدمير أو إنقاذ وطن بأكمله. هذه ليست خطبة وعظية، بل نداء يقظة من أجل الدفع نحو تصحيح مسار، واستعادة الشرف باعتباره مفتاح كل الأبواب. وتحقيق اللمة باعتبارها الخيار الوحيد لوطن في القمة. وطن يجمع ولا يفرّق، ويؤمن بأن الهوية قوة لا تناقض فيها.
كلّنا مغاربة، وكلّنا أمازيغيون، وكلّنا عرب، وكلّنا مسلمون ، وكلنا آدميون. فاللمة ليست ترفًا، وحين نختارها، يعلو الوطن، ويسمو بكل من في أحضانه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



