العالم اليوم

وثائقي فرنسي يفجّر أزمة صامتة بين باريس والجزائر

  • بوشعيب حمراوي//

أثار بثّ القناة الفرنسية الثانية، يوم الخميس 22 يناير 2026، لوثائقي تحقيقي مطوّل يخص الجزائر والمغرب، موجة واسعة من الغضب السياسي والإعلامي داخل الجزائر. بعدما كشف معطيات وُصفت بالحسّاسة حول أنشطة منسوبة لأجهزة رسمية جزائرية داخل التراب الفرنسي. وسرعان ما تحوّل مضمون البرنامج إلى محور توتر دبلوماسي بين باريس والجزائر، بعد ردود فعل رسمية جزائرية متصاعدة.

اختراق مؤسسات الدولة الفرنسية

استهلّ الوثائقي بكشف قضية موظف فرنسي من أصل جزائري بوزارة المالية، يُشتبه في تورطه بتسريب معلومات سرية تتعلق بمعارضين جزائريين وتحركات مالية دقيقة. التحقيق أبرز حيازة المعني وثائق تمسّ سيادة فرنسا، مع قرائن تشير إلى تلقيه تعليمات مباشرة من أجهزة استخبارات جزائرية، في واقعة اعتُبرت اختراقًا خطيرًا لمؤسسة سيادية فرنسية.

محاولة اختطاف معارض من قلب باريس

وتناول البرنامج بالتفصيل محاولة اختطاف معارض جزائري معروف على منصات التواصل الاجتماعي من وسط باريس، بهدف نقله قسرًا إلى الجزائر. وأبرز التحقيق أن العملية كانت تحت المراقبة المسبقة لأجهزة الأمن الفرنسية.التي تدخلت لإفشالها، معتبرة ذلك مساسًا مباشرًا، بالقانون وبالسيادة الفرنسية.

توظيف الإعلام وصناعة الأزمات

وسلّط الوثائقي الضوء على كيفية توظيف الإعلام الرسمي الجزائري وما يُعرف بـ(الذباب الإلكتروني) لقضايا ثقافية وغذائية، مثل (الكسكس) أو الخبز، في حملات تعبئة قومية، تُضخَّم فيها روايات لا تستند إلى معطيات دقيقة، بهدف صرف الانتباه عن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.

تسجيلات داخل القنصلية الجزائرية

ومن أخطر ما ورد في التحقيق، بثّ تسجيلات صوتية مطوّلة قُدّرت بنحو ثلاث ساعات، جرى تسجيلها داخل القنصلية الجزائرية بباريس، تُظهر محاولات استمالة معارضين جزائريين، خصوصًا من حركة (الماك جمهورية القبايل)، للتعاون مع السلطات، مقابل تسهيلات للعودة إلى الجزائر. وقد اعتُبرت هذه المعطيات دليلًا على ممارسات تجنيد داخل بعثة دبلوماسية فوق الأراضي الفرنسية.

صورة الجزائر والمغرب في الرأي العام الفرنسي

استند الوثائقي إلى استطلاع أنجزه معهد (إيفوب)، كان قد كشف أن 71 في المائة من الفرنسيين يحملون صورة سلبية عن الجزائر، في مقابل صورة أكثر إيجابية عن المغرب. واستُخدمت هذه النتائج لتفسير التحوّل الملحوظ في المزاج السياسي والإعلامي الفرنسي، وتزايد التقارب مع الرباط.

المغرب (العدو الجاهز) في الخطاب الجزائري

حلّل البرنامج الخطاب الرسمي الجزائري، مبرزًا حضوره المتكرر للمغرب باعتباره المتهم الدائم في كل أزمة داخلية، من حرائق الغابات إلى اضطرابات التموين. واعتبر محللو الوثائقي أن هذا (العدو الخارجي الجهاز)، يشكّل أداة لشدّ الصف الداخلي وتوجيه الغضب الشعبي خارج الحدود.

الصحراء ومفصل التوتر

أشار الوثائقي بوضوح إلى أن الموقف الفرنسي الداعم لمغربية الصحراء شكّل نقطة تحوّل حاسمة في العلاقات الفرنسية-الجزائرية. كما استعرض تقارير خبراء فرنسيين تحذّر من احتمالات تصعيد عسكري بين المغرب والجزائر، وسط قلق فرنسي من انزلاق المنطقة إلى عدم الاستقرار في ظل سباق التسلح القائم.

ردّ الفعل الجزائري: من الإعلام إلى الدبلوماسية

عقب بثّ الوثائقي، شنت وسائل الإعلام الجزائرية الرسمية حملة هجومية ضد القناة الفرنسية، ووصفت التحقيق بـ(الاستفزازي) و(المفبرك). لكن اللافت كان الانتقال السريع من الردّ الإعلامي إلى التحرك الدبلوماسي.

فقد بادرت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية إلى استدعاء القائم بأعمال السفارة الفرنسية في الجزائر، وتوجيه احتجاج رسمي على مضمون البرنامج. وبالتوازي، أقدمت القنصلية الجزائرية بفرنسا على خطوات وُصفت بمحاولة احتواء الغضب داخل الجالية الجزائرية، عبر لقاءات تواصلية وتوضيحات، اعتبرها مراقبون تحركًا استباقيًا لامتصاص تداعيات ما كشفه الوثائقي، خصوصًا في ظل الاتهامات التي طالت عمل القنصلية نفسها.

نهاية (شهر العسل) السياسي

خلص الوثائقي إلى أن مرحلة التفاهم التي وُصفت سابقًا بـ(شهر العسل) بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون قد انتهت عمليًا. فباريس، وفق ما عكسه التحقيق، لم تعد مستعدة لغضّ الطرف عن أنشطة استخباراتية أجنبية فوق أراضيها، في وقت بات فيه المغرب يُقدَّم داخل دوائر القرار الفرنسي كشريك عقلاني وموثوق.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى