الرأيالمغرب اليوم

حتمية الإستثمار في تقوية الجبهة الداخلية: النصف الفارغ من الكأس

  • بقلم امحمد القاضي//

من أهم مخلفات تنظيم نهائيات الكأس الإفريقية ومكتسبات ضياع الفوز بالكأس الكروية في نهائيات الكاف، هو الإنخراط التلقائي لكل مكونات المجتمع المغربي في النقاش العمومي حول تداعيات النكسة.

مايقع في بلادنا اليوم حول التداول على مختلف الاصعدة والقنوات العمومية وفضاءات التواصل الإجتماعي حول “شمتة” غير رياضية لضياع الفوز بالكأس بعد بلوغ النهائي صحي بغض النظر عن مشروعية الطرح المغربي.

الإتفاق الجماعي الحاصل حول الموضوع وحد الصف الداخلي، وخلق إجماع وطني إستثنائي حكومة وشعبا وشحد دعم خارجي للرأي المتزن حول نجاعة التنظيم، وجاهزية البلد المنظم، وقوة البنية التحتية، ودرجة تطور بعض مقومات البلد وإنخراط المواطنين في إنجاح الدورة بحسن الإستقبال لدرجة الكرم الطائي وإعطاء صورة مشرفة عن البلد، وتعاطف عدة جهات أجنبية مع الموقف المغربي المتزن وإستنكار المهنيين والعوام عبر العالم لتصرفات الفريق السنغالي الخارجة عن الأخلاق الرياضية، التي هي جوهر التظاهرة، برآسة مدربه ومن يدور في فلكه. هذه المكتسبات خلقت قوة ناعمة لصالح المغرب.

لكن التمادي في تقمص دور الضحية والإنسياق مع طرح المآمرة وإن كانت تدعمها حجج، فالفعل غير مجدي ولن يزيد الأمر إلا تعميقا للأزمة، وضرب في المكتسبات الدولية للمغرب وشرخ في الجسم القاري كبلد التعايش.

الدرس الكروي الإفريقي تزامن من سياق دولي دقيق ليذكرنا انه في الزمن الحاضر ليس هناك بلد صديق دائم، و”الأخوة” الإفريقية و”الأشقاء” الإقليمين شعارات هشة مبنية على براغماتية المنفعة وقابلة للتكسير بقشة رياح عابرة.

التخوف المشروع هو أن تعصف بنا الشوفينية الزائدة والشغف الكروي والإنفعال الرياضي وموجة “الجمهور عايز كيدة” داخل فخ عزلة سياسية قارية مجددة.

واقع الحال، الإنتماء للعمق الإفريقي قدر وواقع جغرافي وخيار إستراتيجي للسياسة الخارجية للدولة، والعلاقات الدولية والروابط التاريخية لا تحددها صفارة الحكم، ولن تهزها إتجاه رياح الكرة ومزاجية رياضيين. العزلة القارية عانى منها المغرب لمدة وتصالح مع عدة دول ومن الصعب إعادة العقارب للبداية.

الفضيحة حصلت والتحقيق سيأخذ مجراه في محاكم الكاف والفيفا، سواء أنصفتنا العدالة الكروية او زادت في قلقنا، لن تغير كثيرا من واقع الحال.

إهتمام المغاربة والإجماع على الشان المحلي والكروي قيمة مضافة للمجتمع المغربي، وهدية مرحلية وفرصة شاملة على اولي الرأي توجيهه لبناء جبهة محلية صلبة وروح وطنية جامعة لتقوية الوحدة الداخلية في مواجهة تحديات المرحلة.

كي لا نكون سدج، نحن نعلم علم اليقين أن الرياضة لن تخلق نهضة حقيقية مستدامة لأي بلد، بل تبقى دعامة قوية وقوة ناعمة لتحقيق مكتسبات جانبية سواء كانت سياسية او سياحية إقتصادية وإستثمارية، أم ربح معارك دبلوماسية وفرصة تسويقية لثقافة وتاريخ وهوية وحضارة وتنوع البلد لتدويب الشائعات المغرضة حول وحدة وأمن وتماسك الشعب المغربي.

التجارب السابقة سواء بالبرازيل أو اليونان أو غيرها من الدول التي نظمت تظاهرات رياضية عالمية كسرت ظهرها أكثر ما قوت إقتصاديتها.

معركة التنمية ببلادنا تلعب في رقعة مغايرة وإكتساب رهان التنمية لن يتأتى سوى بالمعرفة والإستثمار في العنصر البشري وتوجيه الإستثمار الداخلي في النهوض بقطاعات حيوية وخلق فرص الشغل وعدالة إجتماعية ومجالية.

ريادتنا الرياضية كأول فريق إفريقي، عربي، وإقليمي يبلغ المربع الذهبي بنهائيات قطر ويحتل المرتبة 4، وتصنيفنا في لائحة الفيفا 8 دولة عالميا مؤخرا مراتب قصيرة الأمد، سهلة السقوط وقابلة للتدبب في اول خسارة كروية.

بدون مزايدات وتصيد الفرص، وبعيدا عن التشاؤم والإندفاع العاطفي، وقريبا من التفكير النقدي البناء. الرهان المستدام هو إخراج البلد من تصنيفات متأخرة ذات تأثير سلبي إجتماعيا لازمتنا لعقود، قضت مضجعنا وظلت تجرنا للوراء تنمويا.

رغم أن المغرب إنتقل من صف 123 إلى صف 120 من أصل 193 دولة التي شملها التقرير الأممي في مؤشر التنمية البشرية لسنة 2025، لازالت الطريق طويلة أمامنا للتقدم في هذا المجال الحيوي. كما كشف تقرير الأمم المتحدة لعام 2025 حول مؤشر الفقر متعدد الأبعاد أن حوالي 6,4% مغربي، أي ما يعادل 2,4 مليون شخص، يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد رغم مجهودات الدعم الإجتماعي المباشر.

كما كشفت تقارير أخرى من بينها مؤشر العدالة العالمية لسنة 2024 تراجع المغرب في مجالي التعليم والصحة، حيث جاء في المرتبة 110 من أصل 182 دولة في التعليم، و122 عالميًا في الصحة العمومية، وهو ما يعكس استمرار الإخفاقات المرتبطة بالمنظومتين، ويذكرنا بمطالب جيل “زيد” العادلة.

خلاصة القول، تنظيم الكأس القارية كشفت لنا مؤشرات إيجابية، من بينها أن المغرب لا تنقصه الإمكانيات ولا الطاقات ولن تقف في طريقه نقص الموارد المالية لتحقيق أهدافه. من بين ما ينقصنا هو ضعف الإرادة السياسية، وإعادة ترتيب الأولويات وتقوية الجبهة الداخلية لمواجهة تحديات التنمية لبناء مغرب العدالة الإحتماعية والمجالية خارج السرعتين وإقتصاد قوي ومجتمع قائم على المعرفة والابتكار.

إلى هناك، تصبحون على مغرب ما بعد 2030.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى