
هكذا يراها الملك…الرياضة جسراً لا ساحة صراع
- بقلم : بوشعيب حمراوي//
لم يكن بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب اختتام الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم مجرد رسالة شكر بروتوكولية، ولا تعقيباً ظرفياً على حدث رياضي عابر، بل جاء كوثيقة سياسية، برمزية مكثفة تعكس منسوب النضج الذي بلغته الدولة المغربية في تدبير النجاح، واحتواء التوتر، وصياغة المعنى الاستراتيجي للرياضة داخل المشروع الوطني والقاري.
أول ما يلفت النظر في هذا البلاغ هو توسيع دائرة الفاعل. فالنجاح لم يُنسب إلى مؤسسة بعينها، ولا إلى جهاز تنظيمي محدد، بل أُسند إلى (كافة مكونات الأمة)، وفي مقدمتها المواطن. هذا الاختيار اللغوي والدلالي يعكس رؤية تعتبر المواطن شريكاً في الإنجاز لا متفرجاً عليه، وعنصراً فاعلاً في صورة الدولة ومصداقيتها. فالخطاب هنا لا يُكافئ فقط من نظم، بل من انخرط، واحترم، واستقبل، وضبط السلوك الجماعي في لحظة امتحان قاري كبير.
ثاني مستويات القراءة يتجلى في الربط الواضح بين الرياضة والسياسات العمومية. فالبلاغ لا يتعامل مع ترتيب المنتخب الوطني (الثامن عالميا)، أو نتائجه باعتبارها معطيات تقنية، بل يدرجها ضمن (سياسة إرادية عالية الطموح)، تشمل الاستثمار في البنيات التحتية، وحسن الاختيارات الإستراتيجية، وخاصة الانفتاح الواعي على كفاءات مغاربة العالم. هنا تتحول كرة القدم إلى مرآة لسياسة عمومية ناجحة، وإلى مؤشر على قدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى نتائج ملموسة.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بتأطير لحظة التوتر دون إنكارها أو تضخيمها. البلاغ يعترف صراحة بوقوع (تصرفات مشينة) خلال الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، لكنه يرفض اختزال التظاهرة كلها في تلك اللحظة. هذه المقاربة المتوازنة لا تسقط في التبرير، ولا في التهويل، بل تراهن على الزمن والعقل الجماعي، معتبرة أن انحسار الانفعال سيعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي، حيث تنتصر روابط الأخوة الإفريقية على نزوات اللحظة.
وفي هذا السياق، يبرز بعد رابع بالغ الأهمية، هو تحصين الفضاء الإفريقي من خطابات التفرقة. البلاغ يضع الأحداث في إطارها الصحيح، ويحذر ضمنياً من محاولات استثمارها للتشويش أو النيل من المصداقية المغربية. غير أن الرد لا يأتي بلغة الاتهام، بل بلغة الثقة: ثقة في وعي الشعب المغربي، وثقة في عمق العلاقات الإفريقية التي (نسجتها قرون من التقارب). هنا يتجلى منطق الدولة الهادئة التي لا تنجر إلى المعارك الهامشية، ولا تسمح للخصوم بفرض أجندتهم الانفعالية.
كما يحمل البلاغ بعداً استراتيجياً خامساً، يتمثل في تثبيت موقع المغرب داخل إفريقيا. فالمملكة، كما يؤكد النص، لا تقدم نفسها كدولة مضيفة ناجحة فقط، بل كفاعل قاري ملتزم، يرى في نجاحه نجاحاً لإفريقيا كلها، ويضع تجربته وخبرته رهن إشارة القارة. هذا الخطاب ينسجم مع التوجه العام للسياسة الإفريقية للمملكة، القائمة على الشراكة، والتضامن، والتنمية المشتركة، لا على منطق الزعامة الفارغة أو التفوق الخطابي.
ومن زاوية أعمق، يمكن قراءة البلاغ باعتباره خطاب تهدئة داخلية وخارجية في آن واحد: تهدئة للداخل عبر تثمين الجهد الجماعي وتحصين الوعي الوطني من الاستقطاب، وتهدئة للخارج عبر التأكيد على أن المغرب، رغم ما حققه من إشعاع وتنظيم محكم، لا يرى نفسه في مواجهة مع أحد، بل في قلب مشروع إفريقي جماعي.
في المحصلة، يعكس بلاغ الديوان الملكي أسلوب الملك محمد السادس في تدبير اللحظات الكبرى: تحويل الحدث الرياضي إلى رافعة سياسية تنموية، وضبط الانفعال دون قمعه، وتكريس صورة دولة واثقة من نفسها، قوية بهدوئها، ومحصنة بوعي شعبها، ومتصالحة مع محيطها الإفريقي.
إنه بلاغ يؤكد أن المغرب لا يحتفل فقط بما تحقق، بل يعرف كيف يؤطره، ويحميه، ويمنحه بعده الاستراتيجي، في زمن أصبحت فيه الرياضة ساحة مفتوحة للصراعات بقدر ما هي فضاء للفرح.
مع كل حركة أو سكون للملك محمد السادس، يكتشف العالم كله ومعه (العالم الآخر)، شخصية (الزعيم )، التي تجمع بين القوة والهدوء، بين الصرامة وبعد النظر، وبين الإلمام الدقيق بالتفاصيل والصبر الاستراتيجي على الزمن. ملك لا تحكمه ردود الأفعال، ولا تستدرجه الاستفزازات، لأنه يدرك أن ما يُدار في العلن أقل بكثير مما يُحاك في الخفاء، وأن السياسة الحقيقية تُبنى على المعرفة العميقة بتوازنات الداخل والخارج، لا على الضجيج ولا على الانجرار وراء المناورات.
قوة هذه الشخصية لا تظهر في رفع الصوت، بل في ضبط الإيقاع، ولا تتجلى في لغة التهديد، بل في الثقة الهادئة التي تُربك الخصوم قبل أن تواجههم. خصومٌ وأعداء، ومنهم من خان العروبة، وتنكّر للأخوّة، وتاجر بشعارات الإسلام، ظنّوا أن اللعب على الانفعال، أو النفخ في نار الفتنة، أو التشويش الإعلامي، يمكن أن يربك دولة لها تاريخ، وقيادة تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تترك الزمن يفضح المناورين وحده.
الملك محمد السادس يُدرك أن المعارك الكبرى لا تُخاض في لحظة غضب، وأن الانتصارات الحقيقية تُصنع بالثبات، وبالرهان على وعي الشعب، وبالعمل المتراكم الذي لا تلتقطه الكاميرات سريعًا. لذلك تبدو مواقفه هادئة في ظاهرها، لكنها محكمة في عمقها، وتبدو رسائله مختصرة، لكنها مشحونة بدلالات يفهمها من يقرأ ما وراء السطور.
هكذا تُدار الدولة حين تكون واثقة من نفسها، دولة ذات مصداقية وثقة بين الأمم العظمى..وهكذا يُواجه الخصوم حين يُراهنون على الفوضى: بعقل بارد، وبوصلة ثابتة، وإيمان راسخ بأن الحق لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى قيادة تعرف طريقها… وتعرف أن التاريخ لا يُنصف المتآمرين، بل يحفظ أسماء من صبروا وانتصروا بهدوء.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



