
رحلة التعلم والتقدم في لعبة الشطرنج.. كتاب لازعتراوي في مغامرة اللعبة الملكية
- حسن الوزان//
يأتي كتاب “دليل للبدء والتقدم في الشطرنج” للكاتبة خديجة ازعيتراوي ليملأ فراغاً محسوساً في المكتبة العربية، يجمع بين البساطة العلمية والوضوح المنهجي، وبين الحس الثقافي الذي يعيد للشطرنج مكانته كلغة عالمية وفلسفة حياة أكثر منها مجرد لعبة. لا يهدف هذا الكتاب فقط إلى تعريف القارئ بقواعد اللعب ومبادئه، بل يسعى إلى بناء علاقة حميمية بين اللاعب والرقعة، علاقة قوامها الفضول والاكتشاف والصبر، لأن الشطرنج قبل أن يكون منافسة، هو تدريبٌ للعقل والخيال معاً.
يبدأ الكتاب -الذي صدر عن منشورات النورس في طبعة أنيقة- من نقطة تأسيسية مهمة :أن الشطرنج هو نتاج ثقافات متعددة، وأن رحلته الطويلة من الهند القديمة، مروراً بالشرق الإسلامي، وصولاً إلى أوروبا الحديثة ثم إلى المنصات الرقمية المعاصرة، يعكس قدرة هذه اللعبة على عبور اللغات والأزمنة والحضارات دون أن تفقد سحرها. فالشطرنج، كما تصفه المؤلفة خديجة ازعيتراوي، ليس فقط نشاطاً ترفيهياً ولا مجرد معادلات تكتيكية، بل هو تراث إنساني يختزن خبرة البشر في التفكير، وفي اتخاذ القرار، وفي قراءة الاحتمالات وفي تقبّل الخسارة بوصفها جزءاً من رحلة التعلّم.

يأخذ الكتاب بيد القارئ خطوة بخطوة ليفهم البيئة الأساسية للعبة: الرقعة ذات الـ64 خانة، ودور كل قطعة، من الجندي البسيط إلى الملك الذي يُبنى حوله كل شيء. وتبرز هنا قيمة الأسلوب البيداغوجي التعليمي الذي اعتمدته المؤلفة، فهو يعامل المبتدئ كلاعب قادر على أن يكوّن حسه الخاص، وأن يكتشف بنفسه منطق الحركة قبل أن يحفظها. فالكتاب يمزج بين الشرح الدقيق، الرسوم التوضيحية والملاحظات العملية التي تفتح الباب أمام الاستيعاب الذهني أكثر مما يهتم بالتلقين.
ثم ينتقل الكتاب إلى مستويات أكثر عمقاً، فيُعرّف اللاعب على المبادئ الاستراتيجية للعبة: التحكم في المركز، تطوير القطع، حماية الملك، بناء خطة، فهم ميزان القوى وتقييم المواقف قبل اتخاذ أي قرار. كل فكرة هنا تُقدَّم باعتبارها ممارسة فكرية لا مجرد قاعدة، أي بوصفها طريقة لرؤية اللعبة، وليس مجرد وصفة لعب. وتزداد القيمة التعليمية عندما ينتقل الكتاب إلى التكتيكات، فيشرح للقارئ شكل “الخدع” الجمالية التي تصنع لحظة الانتصار: الكشّ المزدوج، التثبيت، الانقضاض، الهجمات المكتشفة وكيف تتحول قطعة واحدة إلى مفتاح تغيير مسار المباراة.
لكن القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في فلسفته في التدريب الذهني، فالشطرنج، كما تراه المؤلفة، مدرسة للانتباه والتركيز وإدارة الوقت وتحليل الذات. لذلك يدعو الكتاب اللاعب إلى مراجعة مبارياته، اكتشاف أخطائه، وتسجيل ملاحظاته الشخصية، تماماً كما يسجل الرياضي تطور أدائه. فكل خسارة هنا هي لحظة تعلم وتطوير، وكل فوز هو ثمرة فكر هادئ ورؤية صبورة.
يَعِد هذا الكتاب اللاعب برحلة ممتعة نحو معرفة أعمق لذاته قبل معرفته للعبة، حيث يقدّم الشطرنج كفنٍ يربّي الصبر، كرياضة للعقل وكفضاء تعليمي يجعل من كل منا شخصاً أكثر توازناً واتزاناً، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار بثقة وهدوء. ولذلك يمكن القول إن الكتاب ليس مجرد دليل للعب، إنه دليل للحياة على رقعة لا تنتهي احتمالاتها، تماماً مثل الحياة نفسها.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


