الثقافة

رحل عنا محمد بودهان…مفكر الهوية الذي هزّ المسكوت عنه في سؤال الأمازيغية

  • الحسن باكريم //

رحل عن الساحة الفكرية المغربية الكاتب والمفكر الأمازيغي محمد بودهان، أحد أبرز الأصوات التي خاضت، بجرأة فكرية ومنهجية نقدية صارمة، في إشكاليات الهوية بالمغرب، وخصوصاً ما يتصل بالهوية الأمازيغية وعلاقتها بالدولة، والتاريخ، واللغة، والسياسات العمومية. وبرحيله، يفقد النقاش الفكري الوطني أحد أعمدته النقدية التي اشتغلت خارج منطق التوافقات السهلة، وداخل أسئلة مقلقة طالما جرى تأجيلها أو الالتفاف عليها.

مسار فكري ملتزم بسؤال الهوية

اشتهر الراحل محمد بودهان بكونه كاتباً ومنظّراً ارتبط اسمه بمجلة «تاويزا»، حيث نشر على امتداد سنوات طويلة مقالات تحليلية تناولت قضايا الأمازيغية من زوايا سياسية وتاريخية ولسانية وهوياتية. وقد تميّز خطابه بالصرامة المفاهيمية، وبمحاولة تفكيك ما اعتبره «بديهيات زائفة» تحكم النقاش العمومي حول هوية المغرب، سواء تلك المرتبطة بعروبة الدولة، أو بفكرة «الهوية المتعددة» التي راجت في الخطاب الرسمي بعد دستور 2011.

لم يكن بودهان كاتباً توافقياً، بل مفكراً إشكالياً، اختار الاصطدام بالتصورات السائدة بدل مهادنتها، معتمداً في ذلك على أدوات التحليل الفلسفي والمنهجي، ومراهناً على النقاش العقلاني بدل الخطاب التعبوي.

«في الهوية الأمازيغية للمغرب»: كتاب في تفكيك المسلمات

يُعد كتاب «في الهوية الأمازيغية للمغرب» من أهم أعمال الراحل وأكثرها إثارة للنقاش. والكتاب هو الجزء الأول من سلسلة «في سبيل الأمازيغية»، ويضم مقالات مختارة نُشرت سابقاً، أعاد المؤلف تنقيحها وتحيينها، مع الحفاظ على طابعها الجدالي والنقدي .

ينطلق بودهان في هذا الكتاب من مساءلة مفهوم الهوية ذاته، معتبراً أن النقاش المغربي حولها ظل حبيس تصورات عامّية وإيديولوجية، ولم يرتقِ إلى مستوى التحليل العلمي. ويرفض المؤلف التعامل مع الهوية كـ«تجميع عددي» لمكونات ثقافية أو عرقية أو دينية، معتبراً أن هذا الفهم، الشائع في خطاب «الهوية المتعددة»، يخفي أكثر مما يشرح.

من «الهوية المتعددة» إلى هوية الدولة

من أبرز أطروحات الكتاب نقد مفهوم الهوية المتعددة كما يُتداول في الخطاب السياسي والثقافي المغربي. فبودهان يرى أن هذا المفهوم، رغم مظهره الديمقراطي، يفتقر إلى الدقة العلمية، لأنه يخلط بين مستويات مختلفة: الهوية الفردية، والجهوية، والثقافية، وبين هوية الدولة بوصفها هوية سياسية جامعة.

ويؤكد أن الهوية، حين تُفهم في علاقتها بالدولة، لا تُبنى إلا على عنصرين حاسمين: الأرض واللغة، باعتبارهما المحددين الموضوعيين لهوية الشعوب. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن هوية المغرب، تاريخياً وواقعياً، هي هوية أمازيغية، وأن سياسات التعريب التي نهجتها الدولة بعد الاستقلال شكّلت، في نظره، «جريمة رمزية» في حق هذه الهوية.

الأمازيغية والدولة: جوهر الإشكال

لا يقف الكتاب عند حدود الدفاع الثقافي عن الأمازيغية، بل يذهب أبعد من ذلك، حين يربط سؤال الهوية بسؤال الدولة والانتماء السياسي. فحسب بودهان، فإن اختزال المطالب الأمازيغية في البعد اللغوي، رغم أهميته، يظل مطلباً جزئياً ما لم يُطرح سؤال هوية الدولة نفسها. ويعتبر أن الاعتراف الدستوري بالأمازيغية، على أهميته، لا يكفي ما دامت الدولة تستبطن تصوراً هوياتياً غير منسجم مع تاريخ الأرض وسكانها الأصليين.

إرث فكري مفتوح على الجدل

برحيل محمد بودهان، لا يُطوى كتاب الجدل حول الهوية الأمازيغية، بل يُفتح على مصراعيه. فقد ترك الراحل إرثاً فكرياً يفرض على الباحثين والفاعلين الثقافيين العودة إلى الأسئلة المؤسسة: من نحن؟ وعلى أي أساس تُبنى هوية الدولة؟ وما حدود التوفيق بين التاريخ والسياسة في مجتمع متعدد الروافد؟

لقد كان محمد بودهان صوتاً نقدياً حاداً، قد نختلف معه أو نلتقي معه، لكن يصعب تجاوز الأسئلة التي طرحها، أو التقليل من أثرها في تعميق النقاش حول الهوية الأمازيغية للمغرب. رحم الله الراحل، وجعل فكره مادةً مستمرة للحوار والنقد والبناء.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى