
النصف المملوء من الكأس التي فزنا بها
- بقلم امحمد القاضي//
عادة ما يستعمل أصحاب علوم التربية والتكوين الذاتي اثناء ورشاتهم التكوينية أداة الكأس نصفه ماء. وعند السؤال حول الكأس يرى المتشائمون وأصحاب قصر النظر والمنغمسون في الماديات النصف الفارغ فقط، بينما تحجب غشاوتهم النصف الآخر.
يتتمتع المتفائلون وأصحاب بعد النظر والمترفعون عن الماديات الزائفة النصف المملوءة من الكأس. فيصنف فريق المشاركين بين من غابت عنه اشياء وركز في حياته الشخصية والعملية على الشق الإيجابي، وبين من إكتشف أنه هدر زمنا في التركيز على الجوانب السلبية من الأشياء.
لا أخفيكم سرا أنني أفرغت حضي من الغضب لضياع الكأس على ارضنا في البداية، وإعتبرت ان التاريخ يسجل من فاز وليس كيف فاز. وخاصة أننا إنتظرنا نصف قرن وحلمنا مدة من الزمن بفريق متكامل ويحمل مؤهلات عالمية.
لكن بعد حين وتبصر وجدت أن ما قام به المسؤولين بالملعب وفي لحظات عصيبة وقراراتهم الجريئة بإحتواء الوضع والتضحية بالكأس وربح رهانات أخرى كانت صائبة.
رغم أحقيتنا ومشروعية ضربة الجزاء في التواني الاخيرة وتحمل الضغط النفسي وتجنب الإنهيار العصبي للاعبين والجمهور. رزقنا بتملك الأعصاب والنظر للنصف المملوءة من الكأس في الوقت المناسب.
إنبهر المتتبعون والحضور السياحي والمشاركون بمستوى التنظيم وحفاوة الاستقبال ومشاركة المواطنين وسماحة شعب ودرجة الإستعداد ومستوى تقدم بلد ببنية تحتية إستثنائية قاريا.
هذا الإنجاز الفريد وفي زمن قياسي منهم من أعجب به وثمنه، وبعضهم وخاصة بلدان “الإخوة” الثلاثة مشرقيا المشاركة، ومن دار في فلكهم من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وخاصة السنيغال.
غابت عنهم الروح الصوفية التيجانية التي نتقاسم وسقط القناع الدبلوماسي وظهر الوجه المصلحي البراغماتي وتعرت فجأة عورة الجسد الإفريقي بكل تلاوينها، ليغلب على الجسد المنهار بالملعب طابع عمق فوضى الأدغال الإفريقية الممزوجة بالبلطجة الفرعونية والعنترية الكرغولية والحطام القرطاجية.
لحسن حظنا وتبصر مسؤولينا في لحظات حاسمة لم ننصع مع المآمرة، واربكنا حساباتهم لنظهر للعالم أن للرياضة أخلاق فوق الكؤوس وللممارسة قواعد وسلوكيات تتجاوز الألقاب.
احقاد الإخوة الأعداء جربت كل الألاعيب المسموحة والممنوعة وضربات تحت الحزام إفتراضيا وعلى المنصات والشاشات وفي الميدان والشوارع لكي تنال من سمعة المغرب وتفسد لها العرس الرياضي لآخر دقيقة بدون جدوى. للغدر ثمن، سنمهله وسنطلبه اضعافا مضاعفة عند الحساب في مناسبات أخرى.
المغرب جزيرة أخلاقية راقية منفردة وسط فوضى قارية ومهد الحضارة البشرية ومعقل أقدم إنسان عاقل على وجه البسيطة. تعقل المغاربة لم يأت من فراغ، بل ورثناه من إنسان “إغود”. نحن نلقن دروس لن تفهموما إلا بعد حين، لضعف المادة الرمادية بداخل جماجمكم.
التنازل شجاعة وشهامة والتعجرف والتآمر جبن وتحايل. تركنا لكم النصف الفارغ من الكأس، وستدركون بعد حين انكم الخاسرون الأكبر في لعبة لم تتقنوا كل أخلاقياتها وادبياتها وجزئياتها التي لا ترى بالعين المجردة. سيحتفل معكم أصحاب قصر النظر وستصغر الكأس في قلوب حكمائكم وتكبر في عيون صغاركم.
الممتبع للحظات التتويج المزيفة ولقطات تسليم الكأس المغدورة سيلاحظ رفض الأمير مولاي رشيد إستلام الكأس الحارقة من يد رئيس الكاف لتسليمها للفريق السنيغالي للحفاظ على الشرف والكرامة في تعبير أميري راق وصادق وصريح على رفض بلد المشاركة في تتويج الذل.
غضب المسؤولين المغاربة واضح على وجوههم وصبرهم محمول على أكتافهم وعدم رضاهم على العملية المنهوبة. فضلوا تجرا مرارة المآمرة في صمت في عقر دارهم درءا للفوضى وحرصا على مصير أمة ومستقبل البلد الصاعد وإفساد تظاهرة ناجحة في لحظاتها الأخير. لأن الكاميرات وذاكرة البعض اللئيمة لن تتذكر الأيام الجميلة ولن تحتفظ بالذكريات المشتركة وستسجل بسذاجة وعنوة الدقائق الفاسدة.
المغرب مقبل على إستحقاقات كونية أضخم واقوى، والكأس الإفريقية لم تكن إلا تمرينا صغيرا وتجربة للموعضة واستعداد نفسي شعبي وفرصة لقياس درجة التحمل ومدى إمكانية الإعتماد على “الأخوة” الإفريقية.
المغرب جمهورا وشعبا ومسؤولين فازوا بالنصف المملوءة من الكاس، لأن العالم كان شاهدا على بلد إستثنائي وحضارة عريقة وتاريخ وإرث إنساني وهوية مختلفة لا شرقية ولا غربية وثقافة متنوعة وسخاوة وعطاء وحفاوة وذات حرة متجدرة في أرض جبال الاطلس الشامخة.
نعم خسرنا الكأس ولكن فزنا بعطف شعبي ومآزرة عالمية ومشينا على الملعب مرفوعي القامة. لن يسجل التاريخ اللقب لكن سيسجل الرزانة والحكمة والموقف الراقي.
وموعدنا غذا. وإن غذا لناظره لقريب.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



