
كـأس إفريقيا بالمغرب: قراءة في ما وراء “المستطيل الأخضر” والدروس الاستراتيجية للمستقبل
- بقلم: الأستاذ انغير بوبكر//
انتهت النسخة الاستثنائية من كأس أمم إفريقيا التي احتضنها المغرب، لكن صداها لن ينتهي قريباً. فبعيداً عن النتائج الكروية، ستبقى هذه الدورة راسخة كشاهد على تفوق المملكة في التنظيم والبنية التحتية الرياضية والفندقية، وهو نجاح باهر أقرّ به القاصي والداني. غير أن هذه المحطة الرياضية، بما حملته من تحديات، تستوجب منا كدولة ومجتمع استخلاص دروس عميقة لبناء المستقبل، بعيداً عن لغة العاطفة أو جلد الذات.
ضريبة النجاح ومناورات الخصوم
إن المتتبع للشأن الإقليمي يدرك أن مسار التطور والنماء الذي تنتهجه بلادنا له ضريبة؛ فالفشل لا يمكنه الوقوف متفرجاً أمام الازدهار المغربي. ومن هنا، لم تكن “النهاية الحزينة” كروياً مفاجأة للمطلعين على كواليس المنطقة المغاربية؛ فقد واجه المغرب حرباً خفية سعت لإفشال هذا العرس الرياضي إعلامياً وميدانياً.
لقد كان فوز المغرب بالكأس يمثل تحدياً للنظام الجزائري الذي وظف كل أوراقه، من محاولات اختراق للأطقم التقنية لمنتخبات منافسة (كما حدث مع المنتخب السنغالي)، إلى دسّ العناصر وسط الجماهير والإعلام. ومع ذلك، حالت اليقظة الأمنية والحذر الاستراتيجي المغربي دون وقوع سيناريوهات أكثر قتامة، ليتم تغليب المصلحة الوطنية العليا في نهاية المطاف.
إعادة صياغة التحالفات: الدروس الثلاثة
تفرض علينا مخرجات هذه الدورة إعادة النظر في منظومة علاقاتنا وفق ثلاثة محددات أساسية:
أولاً: تجاوز وهم “الاتحاد المغاربي”: أثبتت الوقائع أن الرهان على تقارب مع دول الجوار القريب والبعيد لا فائدة منه، طالما أن هذه الدول عاجزة عن مواكبة التطور المغربي. إن مشاعر الحسد والحقد التي طفت على السطح في الملاعب تعكس فجوة عميقة، مما يفرض علينا التركيز على مسارنا التنموي الخاص.
ثانياً: واقعية قضية الصحراء المغربية: إن حسم ملف وحدتنا الترابية يبنى على جبهتين: الإجماع الشعبي الداخلي، والشراكة مع القوى العظمى (أمريكا، إسرائيل، الصين، روسيا، والهند). لا يجب أن ترهن المملكة مواقفها بدول “مترهلة” أو فاشلة، فالقرار الدولي الحقيقي بيد الكبار الذين يتقاسمون مع المغرب الرؤية والمصلحة.
ثالثاً: الكرة كـ “قوة ناعمة”: لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت “ديناً جديداً” ومحركاً للدبلوماسية. من يناصرنا كروياً هو حليف سياسي واقتصادي محتمل، ومن يعادينا في الملعب يعادينا خارجه. لذا، وجب حسم تحالفاتنا بناءً على الحداثة والقيم الحضارية المشتركة، بعيداً عن الانتماءات الهوياتية المصطنعة أو الروابط “الموهومة” مع شرق ممزق لا نتقاسم معه المصير.
نحو مجتمع حقوقي متفتح
ختاماً، ورغم مرارة عدم التتويج، يظل أداء المنتخب الوطني المغربي مشرفاً ويدعو للفخر. إن الإخفاق الكروي لا يجب أن يتحول بأي حال من الأحوال إلى ذريعة لنشر خطاب الكراهية أو العنصرية ضد المهاجرين. إن عظمة الأمم تقاس بمدى احترامها لحقوق الإنسان، والمغرب، بوعيه الحضاري، سيظل وفياً لقيم التسامح والتنوع التي هي سر قوته ونمائه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



