الثقافةالرأي

“البحر هناك” لسعيد حميش بلعربي.. رواية الغربة على أنغام الراي

  • محمد بكريم//

“لم أصنع فيلماً عن الراي، بل صنعت فيلماً بالراي”.

سعيد حميش

يحل هذا الأسبوع بالقاعات السينمائية المغربية (على قلتها) الفيلم الجديد (فيلمه التخييلي الثاني) لسعيد حميش بلعربي وهو الفيلم المتوج بالجائزة الكبرى في دورة 2025 للمهرجان الوطني للفيلم.

حميش من مواليد فاس عام 1986 وهو اليوم مقيم في فرنسا. وهو أصلا منتج راكم تجربة مهمة في هذا المجال مكنته من تأسيس شبكة من العلاقات المهنية سمحت للعديد من الأفلام التي أنتجها أن تحضر بهذا الشكل أو ذاك في مهرجان “كان”. ومن ضمنها أفلام منتجة مغربيا.

الانفتاح على المخرجين المغاربة (كمنتج) وعلى السينما المغربية عامة رافقه بشكل مُعبر اشتغال سعيد حميش كسينمائي على سيناريوهات تسائل قضايا الانتماء والهوية في زمن مُتحول/ مُعولم من سماته المراجعات، خيبات الأمل والعودة القوية للذات الثقافية.

ويمكن القول أنه بفيلميه، “العودة إلى بولين”- 2014 – و “البحر هناك” – 2024- يسائل قضايا الهجرة ليس من زاوية سوسيولوجية بقدر ما هي مقاربة ثقافية لتجربة الاغتراب. مفعمة بغير قليل من مشاعر الإحباط.

إنه بعبارة تركيبية يقدم سينما désenchantement ولكن تبقى على أفق مفتوح (“البحر هناك” بصفة أكبر من “العودة إلى بولين”) بفضل توظيف عناصر ثقافية (موسيقى الراي أساسا) في اغناء التركيبة الاخراجية. ولأنها أيضا سينما متعاطفة مع شخصياتها. تعاطف يجد احدى تجلياته في الكاستينج الرفيع لفيلم “البحر هناك”.

ينفتح فيلم “البحر هناك” على مشهدين بليغين.

في المشهد الأول وبعد لقطة لتموجات بحرية نكتشف نور على ظهر سفينة بنظرة حزينة الى الأفق وفي لقطة مضادة نكتشف مدينة طنجة من البحر نهارا تحت سماء صافية تملأ افقا مشعا.

وفي المشهد الثاني نكتشف نور ليلا داخل سيارة مع مجموعة من اصدقائه وهم بصدد اعداد كمين للسطو على سلع احدى الشاحنات.

وبكذا تركيب نفهم اننا أمام ثنائية القطيعة والاندماج التي ستشكل المحرك الدرامي للقصة. نور “حراك” سيبدأ رحلة قطيعة مع الأصول ليركب مغامرة الاندماج في محيط جديد.

سيرورة معقدة يلخصها مشهدي الافتتاح في الانتقال من فضاء تعمه السكينة والهدوء (طنجة بتركيبتها الهندسية التي تمزج بين المعمار التقليدي والعصري مع صورة صومعة مسجد) الى فضاء مظلم (مشهد ليلي) مغلق (ازدحام داخل السيارة) ومفعم بالمخاطر (عملية سطو).

كيف سيحقق نور سيرورة اندماجه.

يجيب الفيلم على هذا الاشكال الوجودي بالاشتغال على عدة مستويات اخراجية ودرامية لكيلا ينغلق الفيلم في إعادة انتاج ما راكمته سينما الهجرة من كليشيهات ذات صبغة سوسيولوجية.

وذلك اعتمادا على بنية زمنية تنهال من ارث الرواية التكوينية كما جاءت عند كبار الروائيين لذا يمكن القول بأنه هناك شيء من بلزاك في فيلم “البحر هناك” ونور يحمل الكثير من الشخصية الروائية الكلاسيكية التي تأسس لهوية جديدة عبر مسارات ومحطات حيث يمتد السرد على عقد من الزمن، تسعينات القرن الماضي وهي فترة مفصلية من الناحية الفكرية والثقافية.

وقد تم بناءها الدرامي عبر أربعة فصول بمعناها الأدبي – المسرحي وخاتمة، حيث كان محور كل فصل شخصية من المثلث الدرامي (نور+ سرج+ نويمي) ثم فصل رابع حول فشل مشروع العودة إلى الديار وخاتمة كانت بمثابة بيان ثقافي مركب ما بين الإحباط والأمل.

يربط حميش زمن “نور” الشخصي (قصة حبه، صداقاته، عمله الهامشي) بزمن فرنسا في التسعينيات (صعود الراي، كأس العالم 1998، التغيرات الاجتماعية في مرسيليا). الزمن هنا ليس خطاً مستقيماً، بل هو شبكة تربط الفرد بالمجتمع.

اننا أمام سيرورة انجاز هوية عبر محطات تشكل اختبارا للشخصية المركزية. في محطة أولى ومباشرة بعد وصوله يعيش نور في هامش الهامش بدون وضعية. بدون هوية عندما يتم اعتقال مجموعته يقدم نفسه كمواطن برتغالي اسمه بابلو. تخريجة بدون آفاق.

تنتهي بحلول ترقيعية أو نفعية (زواج خالد) لأفراد المجموعة يجد نور نفسه في مسار يقوده الى الحضيض الاجتماعي يجد نقطته القصوى في المكالمة الهاتفية الدرامية مع والدته.

هذه الصدمة الأولى (عنوانها الفشل) ستشكل مدخلا لتجربة واختبار هوياتي جديد مع لقاءه مع مفتش الشرطة سرج وزوجته نويمي. مع سرج تبدأ علاقة ملتبسة احدى لحظاتها القوية دراميا حين اقدام سرج على احراق جوز سفر الأصلي لنور. مشهد مؤثر على مستوى الشخوص (صمت رهيب ونظرات اندهاش من نور) وأيضا بالنسبة للمتلقي.

هل ثمن الاندماج في محيط جديد هو القطع مع الجذور. هو البدء من الصفر؟

سيتأكد ذلك عندما سيقترح (في تعاطف ملغوم) سرج على نور السكن ولو مؤقتا في إقامة-حانة خاصة بالمتحولين جنسيا. أي أننا هنا أمام معنى مزدوج لكلمة “جنسيا”: البيولوجي والإداري.

في إشارة ذكية من السيناريو سيرفض نور هذا التحول (عندما يقول لا لسرج) وعلى كل سيبوء هذا المقترح الهوياتي بالفشل مع موت سرج (في إحالة الى سنوات السيدا). مما يفتح أمام نور افقا للتطور ستلعبه فيه المرأة دور الملاذ العاطفي والاجتماعي.

غير أن هذا لا يعني نهاية المسار التكويني الذي ستشكل العودة الفاشلة الى وجدة والاصطدام مع العائلة ونفور الصديقة الأولى احدى تجلياته القوية والي ستدفع نور وهو في حالة احباط كبرى الى محاولة احراق جواز سفره الجديد.

فهل ثمن الاندماج هو النسيان؟ على كل هي الرسالة – النصيحة الختامية التي يقدمها حسين – عبد السلام الذي اختار القطيعة والتخلي عن كل ما ميز ماضيه والاحتفاظ بالغناء فقط.

نعم. لابد من الإشارة الى محورية الحضور الموسيقي والغنائي في صياغة بنية وتركيبة اخراجية أصيلة. حضور سيصل ذروته الدرامية مع مشهد الإعلان عن اغتيال الشاب حسني بحمولة رمزية قوية.

والموسيقى ستوظف كفاعل مساعد لرسم التطور التكويني لشخصية نور باستحضار جميل ومتميز لأغاني الراي، الراي كلغة مشتركة تجمع بين الشخوص بل وبين الفيلم ومتلقيه. ليس الراي هنا مجرد لحن، بل هو صرخة تجمّع. في الفيلم، تخلق الموسيقى تضامناً بين المنفيين.

إنها اللحظة التي يستعيد فيها “المهمشون” السيطرة على الفضاء العام (الملاهي، الشقق). وحين نتتبع تحول الراي من النمط التقليدي إلى الإلكتروني عبر سنوات الفيلم فذلك يعكس أيضاً تحول “نور”. تتطور موسيقاه كما تتطور هويته: تصبح هجينة، تتكيف مع مرسيليا، لكنها تحتفظ بروحه الأصلية.

فاذا كان البحر الحاضر في عنوان الفيلم حاجزا فإن الموسيقي هي البديل السائل الذي يخترق الحدود ويرسم ملامح مجتمع بديل مع الحفل الراقص في مشهد الاختتام الذي يجمع ما فرقته بنية العلاقات الاجتماعية المركبة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى