الثقافة

أسالاي ن أغوليد ب تيكمي ن تمازيرت بموضوع ”أروكو”..

  • الحبيب نونو //

يُعدّ الفنان الحسن الطاهري “أغوليد” أحد رجالات الثقافة والفن والإبداع بمدينة تيزنيت، وأحد القلائل الذين اختاروا أن يجعلوا من حياتهم جسرًا حيًّا بين الذاكرة الجماعية والراهن الثقافي.

أسالاي ن أغوليد ب تيكمي ن تمازيرت بموضوع ”أروكو".. - AgadirToday

لقد خلق لنفسه، وبجهده الذاتي الخالص، فضاء “الأجورة” ليكون وعاءً جامعًا لكل الكنوز التراثية التي جمعها عبر سنوات طويلة من البحث والتنقّل في مناطق سوس، قاطعًا المسافات، متحمّلًا الصعاب، ومواجهًا قسوة الطريق والزمن، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أدوات ومظاهر تدبير الحياة اليومية للإنسان الأمازيغي.

هذا الجهد لا يقتصر على الجمع الميداني فقط، بل يتعدّاه إلى عمل شاق ودقيق في التنظيف، والتنقية، والتوثيق، والإعداد، والتصنيف، حتى تصبح القطع صالحة للعرض، وقادرة على أن تحكي قصتها بكرامة. من أدوات الحرث والسقي، إلى وسائل جمع الثمار والعمل الجماعي، إلى أدوات الدرس والحصاد والتخزين، إلى اللباس وأشكال التحصيل الغذائي، كلها تشهد على عبقرية الإنسان الأمازيغي في ابتكار حلول ذكية، بسيطة في شكلها، عميقة في دلالتها.

أسالاي ن أغوليد ب تيكمي ن تمازيرت بموضوع ”أروكو".. - AgadirToday

لقد اشتغل “أغوليد” على مواد متعددة: الورق، الجلد، الخشب، القماش، الصفائح المعدنية، والنقائش، كاشفًا من خلالها عن براعة الأمازيغ في أدوات الطهي، والزينة، والفلاحة، والطب، وحتى الجراحة، فضلًا عن كتب ومخطوطات ثمينة تعكس إنتاج الفكر الأمازيغي، وأساليب تنظيم العلاقات الاجتماعية داخل القبيلة، بين المرأة والرجل، وبين الأفراد والجماعة.

إنها كنوز لا تُقدَّر بثمن، تحتاج إلى زمن طويل لقراءتها واستيعابها، وإلى ذاكرة حيّة مثل ذاكرة الحسن الطاهري ليشرح لنا سياقات اكتشافها، ومسارات البحث عنها، ومعانيها المضمرة.

أسالاي ن أغوليد ب تيكمي ن تمازيرت بموضوع ”أروكو".. - AgadirToday

كم من الوقت يلزم ليفتح لنا “أغوليد” أسرار تلك المخطوطات، والرموز، والنقائش، والأدوات البسيطة التي لا تزال تحمل أثر الأيادي الأمازيغية، نسائية كانت أو رجالية؟ هذا تاريخ ملموس، حي، يستوجب دراسة علمية رصينة، وحماية قانونية، واحتضانًا مؤسساتيًا رفيع المستوى.

فالمجهود الذي يقدّمه الحسن الطاهري سنويًا، وبكل تلقائية وطواعية وحب صادق للتراث المغربي الأصيل، يتجاوز في كثير من الأحيان اجتهادات مؤسسات رسمية كاملة.

ويُضيف إلى ذلك بعدًا توثيقيًا فريدًا من خلال عرض كرونولوجي للأواني المغربية والأمازيغية عبر طوابع البريد، حيث يحمل كل طابع تاريخًا ومناسبة، إلى جانب مجموعات غنية من الأواني الخزفية، المصنوعة بطرق وتقنيات متعددة، ومن مواد مختلفة: الخزف، النحاس، الألمنيوم، الزجاج، وحتى الأواني المصنوعة من الثمار المجففة كـ“القرع” التي تُحضّر بمهارة لتخزين الزيت، فضلًا عن أوانٍ خشبية من العرعار وغيرها، تعيدنا إلى عمق العالم القروي وثقافته الغنية.

أسالاي ن أغوليد ب تيكمي ن تمازيرت بموضوع ”أروكو".. - AgadirToday

في كل دورة من دورات احتفالية “تيفلوين”، يُبهرنا الحسن الطاهري “أغوليد” بعروض جديدة، عميقة الدلالات، تحمل بعدًا جماعيًا ومجتمعيًا يتجسّد فيه شخصيًا. لقد منح حياته ووقته وماله لهذا المشروع، وأصبحت هذه الأدوات، مجازًا، أبناءه وبناته، يسهر الليالي ويجمع الليل بالنهار ليقدّم للزائرين رصيدًا استثنائيًا من التراث والمفاجآت والنفائس.

لو قُدّر لهذا العمل أن يُعرض في متاحف نيويورك، أو باريس، أو بروكسيل، أو دبي، لأدركنا حجم العظمة الكامنة في هذه التجربة. فالحسن الطاهري “أغوليد” ليس مجرد جامع للتحف، بل هو فنان، وباحث سينوغرافي، وشاعر، ومثقف عميق التكوين، متمكّن من الثقافة الأمازيغية، نطقًا وكتابةً ودلالةً، يحفظ مصطلحاتها ويعي عمقها الرمزي.

إن هذا المشروع يستحق عناية كبرى وقرارات شجاعة من أعلى المستويات الرسمية. وعلى الجهات المسؤولة والمنتخبة أن تقف وقفة إجلال وتقدير، وأن تمد يد الدعم والمؤازرة، وتوفّر كل ما يلزم لحماية هذا الكنز الثقافي وتطويره. فباسم تيزنيت، وباسم ذاكرتها وهويتها، يستحق الحسن الطاهري “أغوليد” أن يُتوَّج مشروعه في صدارة الواجهة الثقافية للمدينة، وأن يُفتح له باب المتحف، لا تأجيل بعده ولا تبرير.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى