
ما بين ألقاب الأندية و ألقاب الوطن ..تختلف الفرحة والدموع
- بوشعيب حمراوي //
في زمنٍ تُقاس فيه الانتماءات بالأرقام والعقود، قدّم اللاعبون المغاربة—داخل الوطن وخارجه—درسًا بليغًا في معنى التشبث بالوطنية والغيرة الأكيدة. لحظةُ تأهل المنتخب المغربي إلى نهائي كأس إفريقيا، بعد ضربة الجزاء الحاسمة ليوسف النصيري في شباك نيجيريا، لم تكن مجرد عبورٍ رياضيّ؛ كانت انفجارًا وجدانيًا نادرًا، تُرجم دموعًا سالت—بل نزفت—فوق عشب ملعب مولاي عبد الله.
هي دموع لا تباع ولا تُشترى ولا تسيل عند الطلب ..
عندما ارتمى أشرف حكيمي وإبراهيم دياز في حضن بعضهما البعض بعد ركلة النصيري الموفقة. لم يكن المشهد بحثًا عن بطولةٍ أخرى تُضاف إلى خزائنهم العامرة.
كان إعلانًا صريحًا: هنا يلعب القلب قبل القدم. دموعٌ رأيناها من لاعبين اعتادوا منصات التتويج في أوروبا، لكنهم لم يعرفوا(هناك) هستيريا البكاء نفسها التي داهمتهم هنا، بين جمهورهم، وفي وطنهم.
مع الأندية، تتعدد الألقاب وتتعاظم الاحتفالات، غير أن العاطفة تبقى منضبطة، محسوبة، سريعة الانطفاء.
مع الوطن، ينفلت الشعور من كل قيد: بكاء، سجود، عناق، وصمتٌ ثقيل يسبق الانفجار.
حكيمي، اخر من توج بالكرة الذهبية والذي يمتلك خزانة مملوءة بعدة ألقاب كبرى مع باريس سان جيرمان (بطولات دوري وكؤوس وسوبر)، لم تهزه منصةٌ أوروبية كما هزته تلك الركلة الإفريقية.
ودياز، صاحب سجلٍ ذهبي مع ريال مدريد (دوري الأبطال، الليغا، الكأس، السوبر)، وجد نفسه يبكي كطفلٍ عاد لتوّه إلى حضن أمه. الأرقام عظيمة، لكن الوطن أعظم.
كان اللاعبون المغاربة يحرسون المساحة كلها. لعبوا وكأن كل واحدٍ منهم مكلفٌ بحماية الملعب بأكمله. جابوا العشب طولًا وعرضًا، حرثوه ودكّوه دكًّا، ضغطًا، ارتدادًا، التحامًا، وقراءةً ذكية لكل كرة. لم يتركوا لنيجيريا—الخصم الشرس والعنيد—فراغًا يتنفس فيه.
لم تكن الدموع حكرًا على اللاعبين. المدرب وليد الركراكي وطاقمه، دكّة الاحتياط، وحتى المدرجات، وفي الشوارع وداخل البيوت ..انخرطوا في لحظة صدقٍ نادرة. رسالة واضحة: هذا منتخب يلعب بعقيدة، ويُدافع عن القميص كما يُدافع عن البيت.
أبناء وأحفاد الجالية المغربية في أوروبا أثبتوا أن الجغرافيا لا تُلغي الهوية. اختاروا المغرب قناعةً لا مصلحة، وانتماءً لا صفقة. وعندما حانت ساعة الحقيقة، كانت الدموع أصدق من أي تصريح.
الألقاب تُفرِح، نعم. لكن الوطن يُبكي—لأنه يسكن أعمق نقطة في القلب. ما رأيناه في تلك الليلة لم يكن مجرد كرة قدم؛ كان درسًا في الانتماء، وفي كيف تتحول العشب إلى ذاكرة، والركلة إلى تاريخ.
بقلم : بوشعيب حمراوي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



