الرأيالعالم اليوم

هل يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أخطر ظاهرة إجرامية في التاريخ؟ عندما تهدد الخوارزميات استقرار الدول قبل الجيوش

  • بقلم: بوشعيب حمراوي* //

لم يعد الخطر الذي يهدد الدول والشعوب في القرن الواحد والعشرين هو الدبابة ولا الصاروخ ولا القنبلة النووية… بل صار الخطر الأخطر يحمل اسمًا ناعمًا وبراقًا: الذكاء الاصطناعي.

هذا المولود التكنولوجي الذي وُلد في مختبرات العلم، يُربّى اليوم في حضانات المال، ويُستعمل في ميادين الحرب، والإعلام، والتجسس، والابتزاز، وتفكيك المجتمعات. إنه سلاح لا يُرى… لكنه يصيب كل شيء.

في كواليس كبريات العواصم، من واشنطن إلى بروكسيل، ومن بكين إلى موسكو، لم يعد السؤال هو :هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟. بل :كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من استخدامنا؟

من الإنترنت الإجرامي إلى الذكاء الاصطناعي الإرهابي

قبل عشر سنوات، كانت الجرائم الرقمية تقتصر على اختراق حسابات، سرقة بيانات، تزوير وثائق، ابتزاز عبر الصور.

اليوم، دخلنا مرحلة أخطر بكثير : تحرك الشارع،صناعة فيديوهات مزيفة، صنع شخصيات افتراضية لتجنيد متطرفين،إنتاج خطابات كراهية موجهة بدقة لكل فئة، التلاعب بالانتخابات والرأي العام، اختراق الأنظمة الأمنية عبر الذكاء الذاتي.

لم يعد الإرهابي في حاجة إلى معسكر ولا إلى إمام متطرف.. يكفيه خوارزمية. ولم يعد الانقلابي في حاجة إلى دبابات … يكفيه شبكة حسابات وهمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.الأنظمة الكبرى نفسها ترتعب من اختراعها. و الغرب الذي صنع هذه التكنولوجيا هو أول من بدأ يصرخ.

الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن قالها صراحة:الذكاء الاصطناعي قد يكون أخطر من القنبلة النووية إذا خرج عن السيطرة.

الاتحاد الأوروبي صادق على أول قانون شامل في العالم، لتقنين استخدام الخوارزميات، مراقبة تطبيقات التعرف على الوجوه، منع التلاعب بالسلوك البشري.

لأنهم يعلمون أن الذكاء الاصطناعي لا يملك أخلاقًا، ولا وطنًا، ولا قلبًا

الحرب الجديدة: من يملك الخوارزمية يملك الشعوب. نحن نعيش اليوم حربًا بدون صوت مدافع.

حرب تُدار من السيرفرات،الخوارزميات،الذكاء الاصطناعي التوليدي،

شبكات التأثير النفسي. جيوشها : بوتات، حسابات وهمية، صناع محتوى مأجورين، مؤثرون مزيفون، شبكات تضليل. وضحاياها  الأطفال، الشباب، الديمقراطية، القيم، الثقة بين المواطن والدولة،… إنها حرب تدمير شاملة للعقول والأذواق.

الدول النامية الأكثر عرضة للخطر، لأنها تستهلك تكنولوجيا رقمية لا تملك مفاتيحها. تحولت إلى دول داخل الدول، وإعلام بلا قانون، وقضاء بلا قضاة، وجيوش بلا رقابة.

الذكاء الاصطناعي اليوم يمكنه : تزوير صوت وزير، اختلاق خطاب رسمي لمسؤول، صناعة فيديو اعترافات، فبركة فضائح، إشعال شارع في ساعات.

عندما تصبح الحقيقة قابلة للتزوير

أخطر ما في الذكاء الاصطناعي ليس قدرته على الكذب. بل قدرته على جعل الكذب يبدو حقيقيًا. لم نعد نثق في : الصورة، ولا في الفيديو، ولا في الصوت، ولا حتى في الشهادة.دخلنا عصر الواقع الاصطناعي، وهذا هو أخطر انقلاب في تاريخ البشرية.

ما المطلوب إذن ؟.. ليس منع الذكاء الاصطناعي، فهذا مستحيل

بل : تقنينه، تأطيره، إخضاعه للمساءلة، حماية الشعوب من توحشه.

وإلا سنستيقظ يومًا على عالم تحكمه الخوارزميات، وتسيره الشركات

ويُستعبد فيه الإنسان.

الذكاء الاصطناعي ليس خطرًا في ذاته. الخطر هو الإنسان عندما يستخدمه بدون أخلاق ولا قانون ولا وطن . إننا أمام لحظة تاريخية: إما أن نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى دائرة الإنسانية، أو ندخل نحن إلى دائرة العبودية الرقمية.

حين تتحول العوالم الرقمية إلى سلطة فوق الدول

لم تعد العوالم الافتراضية مجرد فضاءات للتواصل أو الترفيه أو تبادل الأخبار، بل تحولت، مع تطور الذكاء الاصطناعي، إلى سلطات موازية تنافس الدولة في أخطر وظائفها.التأثير على الوعي، تشكيل الرأي العام، توجيه السلوك، وصناعة الولاءات والعداوات.

لقد دخلنا مرحلة لم يعد فيها المواطن يتلقى المعلومة من صحافي، ولا من جريدة، ولا حتى من منصة، بل من خوارزمية لا تُرى، ولا تُسأل، ولا تُحاسَب.

خوارزمية تختار له ،ماذا يقرأ،ماذا يشاهد، ماذا يكره، وماذا يصدق…    وبهذا المعنى، لم يعد الخطر في مواقع التواصل الرقمية، في حد ذاتهما، بل في العقل الاصطناعي الذي يديرها، ويقرر ما يصل إلى العقول.

آلاف الزعماء الافتراضيين والملايين من الجنود المجندين دون علمهم.لقد صار الذكاء الاصطناعي نفسه هو الزعيم،المنسق،المجند، والمحرّض

الذكاء الاصطناعي قادر اليوم على إنشاء آلاف الحسابات الوهمية، كتابة آلاف التعليقات، تضخيم الإشاعة، مهاجمة شخص أو مؤسسة، صناعة موجة غضب، تشويه سمعة وطن أو حكومة…في دقائق معدودة، دون أن ينام، دون أن يتعب، ودون أن يخاف..

إننا أمام جيوش رقمية بلا بشر، تقودها خوارزميات مأجورة لصالح مراكز النفوذ العالمية.

الذكاء الاصطناعي يصنع لك صورة أو فيديو أو تسجيل لحدث لم يحدث، ولكائن لم يكن. وهنا يصبح المواطن الأعزل فكريا في مواجهة آلة قادرة على تزييف الواقع نفسه. وهذا أخطر بكثير من مجرد إشاعة أو تدوينة.

وطبعا فالشعوب النامية هي الضحية الأولى.لأنها لا تملك منصات سيادية

لا تملك خوادم وطنية، ولا تملك ذكاء اصطناعي محلي، و لا تملك تشريعات قوية، ولا ثقافة رقمية وقائية.

فنحن لا نعيش داخل العوالم الرقمية، بل  نعيش داخل ممتلكات شركات أجنبية. وكل منشور، صورة، فيديو، رأي، موقع، أرشيف ..هو في الحقيقة وديعة في بنك رقمي أجنبي.

مما يجعل الأرشيف والتوثيق الورقي، آخر حصون السيادة.حين حذّرتَ من التخلص من الأرشيف الورقي، كنتَ أدق ناقوسًا استراتيجيًا. فالكتاب، والوثيقة، والجريدة .. لا يمكن حجبها بضغطة زر، و لا يمكن حذفها بعقوبة منصة رقمية، ولا يمكن تزويرها بخوارزمية.أما العالم الرقمي فهو ملك من يملك السيرفر .

لهذا أطلقت تحذيرا سنة 2020

لم يكن تحذيرنا سنة 2020 من مخاطر الارتهان للعوالم الرقمية الأجنبية نبوءة سوداوية، بل قراءة مبكرة لمسار خطير كان يتشكل بصمت.     اليوم، بعد خمس سنوات، دخل هذا المسار مرحلة أكثر تعقيدًا وشراسة، مع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي لم يعد يكتفي بنشر المحتوى، بل صار يصنع الواقع نفسه.

لم نعد أمام إعلام رقمي فقط، بل أمام صناعة رقمية للوعي، للغضب، للكراهية، وللانفجار الاجتماعي.

ما كنا نخافه حين قلنا إننا نضع (تاريخنا وأرشيفنا داخل خزائن لا نملك مفاتيحها) .تحول اليوم إلى أننا نضع (عقولنا وقراراتنا داخل خوارزميات لا نعرف من يبرمجها).

الذكاء الاصطناعي ليس أداة، بل فاعل سياسي وأمني. في السابق، كانت المنصات الرقمية فضاءات مفتوحة للفوضى، اليوم أصبحت غرف عمليات.

الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج آلاف الأخبار الكاذبة في دقيقة، و اختلاق شخصيات إعلامية مزيفة، و تزوير فيديوهات لوزراء وقادة، و تحريض فئات اجتماعية ضد بعضها، و توجيه الرأي العام انتخابيًا وسياسيًا. وهو ما يعني أننا انتقلنا من  إعلام بلا قانون،إلى واقع بلا حقيقة, ومن منصات فوضوية، إلى أسلحة سيبرانية.

ما كتبته سنة 2020 حول ضعف التبويب، غياب التخصص، واستفحال الميوعة في الإعلام الرقمي، صار اليوم مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى الإعلام الوطني، الورقي والرقمي، أصبح محاصرًا بين منصات أجنبية عملاقة، وذكاء اصطناعي بلا أخلاق. حيث جيوش رقمية مأجورة، وانفجار للمحتوى الرديء.

وفي المقابل  فإن الصحافة المهنية تنهار اقتصاديًا، والمؤسسات الجادة تختنق، والصحافي الحقيقي يغرق وسط الضجيج.

فإذا كان الورقي آخر ملجأ للذاكرة، فإن الإعلام الرقمي المغربي لم يتحول بعد إلى قلعة سيادة وطنية، بل ظل تابعًا للبنى التحتية الأجنبية.

الحديث اليوم لم يعد عن حرية التعبير فقط، بل عن من يملك خوارزميات المغرب؟.من يملك بيانات المغاربة؟.من يملك مفاتيح أرشيفنا الرقمي؟

إذا لم يمتلك المغرب منصات وطنية، ومراكز بيانات سيادية، وذكاء اصطناعي أخلاقي، وتشريع صارم، وصحافة رقمية محترفة.

فإنه سيظل مستهلكًا للحقيقة التي يصنعها الآخرون، وضحية لحروب لا يرى فيها العدو.

كنا نخاف من فوضى الإعلام الرقمي،واليوم نواجه طغيان الذكاء الاصطناعي.

لكن الحقيقة واحدة . من لا يملك سيادته الإعلامية، لا يملك سيادته السياسية.ومن لا يملك مفاتيحه الرقمية، سيُغلق عليه المستقبل.

*بوشعيب حمراوي الأستاذ والكاتب الصحفي ..

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى