
لوحة مفتاح منزل أمي
- مهدي الحراق //
على غير عادتي استغرقت في النوم هذا اليوم ولم استيقظ الا بعد الظهر، يوم عطلة فلا داعي للسرعة، وبهذه المناسبة انتهز هذه الفرصة لأهنئ نفسي وجميع أمازيغيي العالم ومحبي هذه الثقافة العريقة والهوية العظيمة ، برأس السنة الأمازيغية “ايض الناير”، بينما كنت أبحث في أغراضي وجدت مفتاح منزل والدتي القديم ، وكلما تغير هذا المفتاح تصر والدتي على اعطائي واحدا جديدا، رغم اني مذ 09 سنوات خلت لم اقطن في منزل أمي ولا ازورها الا مرات قليلة في السنة ، ففكرت بدل ان اتخلص منه ان أخلد ذكراه في لوحة رسم، أني لست من هواته ولا من محترفيه ، لكن دعنا نحاول ونمضي الوقت مع انفسنا قليلا، شرعت في تحضير الأدوات وهذه من حسنات ان يكون في بيتك رسام ، وهو صديقي محمد ، فالأدوات متوفرة، راودتني فكرة اخرى أن ألون وأرسم باليد اليسرى ، تحد شخصي ومحاولة للتدريب على تنشيط اليد الغير المهيمنة، بدأت ، وبعد فترة أصبت بدوار خفيف، أظن أن دماغي لم يعتد على العمل بفصه الايمن، انها ردة فعل طريفة من دماغي المتكاسل .
إن تخليد ذكرى هذا المفتاح هو فرصة ايضا للتذكر، تذكر بعض محطات طفولتي التي عشتها بمدينة سيدي افني الساحرة ، عشتها على كل حال ببساطة وتواضع عيش، وقلة حيلة ايضا ، لم اتصالح مع بعض هذه المحطات بسهولة، لأني كنت أرفض الكثير من المواقف التي كنا فيها عاجزين ومحتاجين، فأنا من طبعي طموح وغريب اطوار احيانا، فقد عملت منذ طفولتي في مهن خصصت للكبار في السن، لعل أولها، أني كنت اصطحب الأئمة والفقهاء في السلك والولائم من أجل الحصول على بعض المال والإكراميات ايضا ، وتناول الأكل الشهي اللذيذ في “الزردة”، في اغلب الاحوال كانت ولائم لنا ولكن كانت عزائم عزاء للأسر والعائلات ، لكل غايته وهدفه، على كل حال كنت سعيدا جدا بالوضع الاعتباري والمجتمعي ايضا من خلال تقدير الناس لي وافتخار افراد عائلتي بي خاصة الكبير في السن منهم، لقد كنت فاشلا في حفظ القران وأرفض وصاية الشيخ والفقيه ورتابة عملية الحفظ ، كونها عملية تحتاج تفرغا وانا كنت اتابع دراستي في المدرسة الابتدائية وبعدها في الاعدادية ، اصر على حضور السلك واحيانا بلا دعوة من احد حتى اطلق علي بعض الفقهاء لقب المهاجم، اي احظر بلا استدعاء منهم ، واهجم على وليمتهم ، حقا واقع بئيس .
عرفت في تلك الفترة بلباسي التقليدي المميز والغير المتناسب مع سني، كنت اضع عمامة، اذهب الى المدرسة الابتدائية بذلك الزي، وفي مرات كثيرة كان المدير يطردني بدعوى اني لا ارتدي لباسا مدرسيا “الوزة الزرقاء” ، فالبسها فوق الجلباب ههه ، الجميع يناديني بلقب الفقيه الصغير ، لم اعرف باسمي ولا بنسبي، وإلى الآن عندما ازور مدينة سيدي افني لازال هناك من يناديني بهذا اللقب، رغم تغير شكلي ولباسي وحتى قناعاتي وأشياء اخرى.
تجربة الرسم على بساطتها، علمتني أن الحياة جميلة بكل تفاصيلها ومراحلها، فالأهم هو التصالح معها، وتجربة الاشياء المختلفة، ومغادرة المواقع الافتراضية بين الفينة والأخرى، والعيش ولو للحظات او ساعات مع ذكرياتك وممارسة انشطة بعيدا عن الشاشات، التي دمرت متعة وجمالية الحياة وحتى نمط تفكيرنا ومعايرنا، تجربة تستحق ان تعاش وتمرين صحي ينبغي لكل انسان ممارسته .
دمتم سالمين
الدار البيضاء 14 يناير 2026
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



