الرأيالسياسة

الأمازيغية في الإعلام المغربي: دسترة بلا تفعيل ودفاتر تحملات في الرفوف

  • بقلم: الحسن باكريم // (منشور في جريدة الصباح ليوم الخميس 15  يناير 2025)

منذ دسترة اللغة الأمازيغية في يوليوز 2011، باعتبارها لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية، كان من المفترض أن يشكل الإعلام العمومي والخاص رافعة أساسية لتفعيل هذا الطابع الرسمي، بالنظر إلى دوره المحوري في التنشئة اللغوية والثقافية، وفي تكريس مبدأ المساواة بين اللغتين الرسميتين.

غير أن الواقع، بعد أزيد من عقد من الزمن، يكشف عن تعثر واضح، بل عن غياب إرادة حقيقية لترجمة المقتضيات الدستورية إلى ممارسة إعلامية عادلة ومنصفة.

لا يختلف اثنان في أن إدماج الأمازيغية في الإعلام العمومي ظل محدودًا وموسميًا، تحكمه المقاربة الكمية أكثر من الرؤية الحقوقية والاستراتيجية.

فباستثناء قناة “تمازيغت”، التي أُنيط بها عمليًا عبء تمثيل الأمازيغية وحدها، ما تزال القنوات العمومية الأخرى، التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وكذا القناة الثانية “دوزيم”، تتعامل مع الأمازيغية باعتبارها هامشًا أو إضافة ثانوية، لا لغة رسمية يفترض أن تحظى بحضور يومي ومنتظم في نشرات الأخبار، والبرامج الحوارية، والإنتاجات الدرامية، والبرامج الثقافية والتربوية.

ويزداد هذا الوضع تعقيدًا حين ننتقل إلى الإعلام الخاص، حيث يكاد حضور الأمازيغية ينعدم، في خرق صريح لروح الدستور، وتجاهل تام للتعدد اللغوي والثقافي الذي يميز المجتمع المغربي.

وتبقى حالة مجموعة “ميدي 1” – السمعية البصرية – نموذجًا صارخًا لهذا الإقصاء، إذ لا تزال الأمازيغية مغيبة بشكل شبه كلي عن شبكات برامجها، وكأن دستور المملكة لا يعنيها، أو كأن اللغة الأمازيغية شأن ثقافي هامشي لا يرقى إلى مستوى الالتزام القانوني والأخلاقي.

الأخطر من ذلك أن جزءًا كبيرًا من التناول الإعلامي للمكون الأمازيغي لا يزال حبيس النظرة الفلكلورية، التي تختزل الأمازيغية في الرقصات التقليدية، والأزياء، والمواسم الاحتفالية، دون اعتبارها لغة تفكير، وإنتاج معرفي، وتعبير مجتمعي معاصر. وهي مقاربة تكرس التهميش الرمزي، وتفرغ الطابع الرسمي من مضمونه، بدل أن تجعل من الأمازيغية أداة للاندماج، والمواطنة، والمشاركة في النقاش العمومي.

صحيح أن هناك بعض المبادرات المحتشمة هنا وهناك، سواء في بعض الإذاعات الجهوية أو البرامج الخاصة، لكنها تظل مجهودات معزولة، غير كافية، ولا ترقى إلى مستوى التحول البنيوي المطلوب. فالمشكل ليس في غياب الكفاءات الأمازيغية داخل الحقل الإعلامي، بل في غياب رؤية واضحة، وإرادة سياسية وإعلامية ملزمة، تجعل من إدماج الأمازيغية خيارًا استراتيجيًا لا مجرد حسن نية.

إن إنقاذ الأمازيغية من منطق التهميش، ومن مخاطر النسيان والإقصاء الرمزي، يمر حتمًا عبر مراجعة شاملة لدفاتر التحملات، سواء في الإعلام العمومي أو الخاص. دفاتر تحملات جديدة، واضحة وصارمة، تنص على نسب إدماج حقيقية للأمازيغية، ليس فقط من حيث الزمن، بل من حيث الوظائف الإعلامية الأساسية: الإخبار، والتحليل، والترفيه، والإبداع، والنقاش العمومي. كما يجب أن تُربط هذه الدفاتر بآليات للتتبع والمساءلة، بعيدًا عن منطق التساهل أو التغاضي.

فالأمازيغية ليست منّة، ولا مطلبًا فئوياً، بل حق دستوري، ومكون أصيل من الهوية الوطنية الجامعة. والإعلام، باعتباره مرآة المجتمع وفضاءً لتشكيل الوعي، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن يكون في مستوى هذا التحول الدستوري والتاريخي، وأن ينتقل من خطاب الاعتراف الشكلي إلى ممارسة يومية تُنصف اللغة الأمازيغية، وتُعيد لها مكانتها الطبيعية في الفضاء العمومي المغربي.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى