
من يحمي كرة القدم الإفريقية من القاذورات الرقمية والركوب السياسي؟
- بقلم: بوشعيب حمراوي //
لم تعد كرة القدم الإفريقية اليوم مستهدفة فقط في ملاعبها أو في نتائجها، بل أصبحت هدفًا مباشرًا لحرب رقمية قذرة، تُدار من خلف شاشات وهمية وصفحات مجهولة، تتغذى من الكراهية وتُسقى بأموال أنظمة مأزومة، وفي مقدمتها النظام الجزائري الذي حوّل الرياضة إلى أداة عداء سياسي بدل أن تكون جسراً للتواصل بين الشعوب.
ما يجري منذ انطلاق التظاهرة الإفريقية بالمغرب ليس مجرد “تراشق جماهيري” أو “خلاف إعلامي”، بل هو هجوم ممنهج على الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، وعلى سمعة المغرب، وعلى نزاهة المنافسة، وعلى عقل الجمهور الإفريقي نفسه.
الكاف تحت القصف… والصمت المريب
الخطير في كل ما يحدث، ليس فقط سيل الأكاذيب والفيديوهات المفبركة والصور المضللة التي اجتاحت منصات التواصل، بل صمت الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) أمام هذا الانفلات.
كيف يُعقل أن تُتهم مؤسسة قارية في نزاهتها، وتُتهم في تحكيمها، وفي قراراتها، وفي تنظيمها، من طرف مسؤولين رسميين، ومعلقين، وإعلاميين، دون أن تتحرك؟
كيف يقبل الكاف أن تُستباح سمعته في العلن، وأن يُتهم زوراً بأنه “أقصى الجزائر”، بينما العالم كله شاهد المباريات، ورأى الأخطاء الفنية والتكتيكية التي ارتكبها اللاعبون والمدربون؟
الصمت هنا ليس حياداً… بل تواطؤ خطير مع الكذب.
آلة التشويه الجزائرية: من الفضاء الرقمي إلى المدرجات
منذ أن وطأت أقدام المنتخب الجزائري المغرب، تحركت آلة التشويه بكامل طاقتها:
صفحات مجهولة
فيديوهات مفبركة
صور من ملاعب غير مغربية
ادعاءات عن بنية تحتية “منهارة”
اتهامات أمنية
وادعاءات عن “مؤامرة تحكيمية”
ثم جاءت المسرحيات الميدانية: من “التبول في المدرجات”، إلى افتعال الفوضى، إلى محاولة زرع البلبلة وسط الجماهير، وصولاً إلى وزير رياضة الذي جاء محملاً بعُقد نظامه، ينفث السم في كل محطة، بدل أن يحترم بلداً فتح له الملاعب، والفنادق، والنقل، والأمن، والكرامة.
العالم يرى… وهم يكذبون
بينما كانت الآلة الجزائرية تشتغل في الظلام، كان العالم يرى في الضوء:
ملاعب ممتلئة حتى في مباريات لا يلعب فيها المغرب
أرضيات صمدت أمام أمطار غزيرة
تنظيم محكم
أمن محترف
جماهير إفريقية مندمجة ومطمئنة
نقل، تغذية، مبيت، سياحة… كل شيء متاح
العالم انبهر.
وهم جنّوا.
فشلوا في ضرب صورة المغرب، انتقلوا إلى ضرب الحكام، ثم الكاف، ثم نزاهة البطولة نفسها.
المعلق الذي يسيء للكاف من داخل بين
الأخطر من كل هذا، أن بعض المعلقين – الذين يرتبطون بعقود مع قنوات دولية مثل بين سبورت – يمارسون في حساباتهم الرقمية نفس خطاب التحريض والتضليل والسبّ الذي تمارسه الصفحات المأجورة.
وهنا يُطرح سؤال خطير: كيف يمكن لمعلق يمثل واجهة إعلامية رسمية لقناة ناقلة، أن يهاجم الاتحاد الإفريقي الذي تبث مبارياته؟ كيف يمكن للكاف أن يقبل أن يُجلد من طرف نفس الشخص الذي يتقاضى أجره من منظومة بث تشتري حقوقه؟
هذا ليس رأياً… هذا تضارب مصالح واعتداء على سمعة مؤسسة رياضية قارية.
ما الذي يجب على الكاف فعله؟
الاتحاد الإفريقي لكرة القدم اليوم أمام اختبار تاريخي.
إما أن يكون مؤسسة محترمة تحمي نفسها، أو يتحول إلى كيس ملاكمة رقمية.
المطلوب واضح:
فتح مساطر قانونية ضد كل من يتهم الكاف دون أدلة، سواء كان وزيراً أو معلقاً أو صفحة رقمية.
مطالبة كل جهة بالإدلاء بالبينة: أين الدليل؟ أين القرائن؟ أين الوقائع؟
مراسلة بين سبورت بخصوص المعلقين الذين يسيئون للكاف ويضربون نزاهته.
حماية الفضاء الرياضي الإفريقي من هذا الوباء الرقمي الذي يهدد مستقبل اللعبة.
كرة القدم الإفريقية ليست مكب نفايات سياسية
ما يحدث ليس دفاعاً عن فريق ولا عن بلد، بل دفاع عن كرة القدم الإفريقية نفسها.
عن نزاهتها، عن صورتها، عن مستقبلها.
عندما تتحول الرياضة إلى ساحة لتفريغ عقد أنظمة مأزومة، فإن كل إفريقيا تخسر.
الكاف اليوم مطالب بأن يقول: كفى.
لأن كرة القدم الإفريقية أكبر من نظام، وأشرف من مأجور، وأنقى من صفحات تقتات على الكراهية.
والمغرب… سيبقى مكشوف الصفحات، مضيء الصورة، مهما حاولوا تلويث المرآة.
نظام يبحث عن وسائل الهاء أخرى لشعب يعيش الجحيم
نحن نعلم، والعالم كله يعلم، إلا من كُتب عليهم أن يعيشوا تحت رحمة نظام عسكري طاغٍ، أن هذا النظام، وبعد أن فقد أخطر أدوات الإلهاء الجماهيري التي كان يتغذى بها منذ نصف قرن، دخل مرحلة ارتباك استراتيجي غير مسبوقة.
فبمجرد صدور القرار الأممي رقم 2797، الذي أنهى عملياً منطق “النزاع المفتعل” حول الصحراء المغربية، وأعاد الملف إلى سكته السياسية الطبيعية القائمة على التفاوض حول مبادرة الحكم الذاتي المغربية المقدمة سنة 2007 تحت السيادة المغربية، وجد النظام الجزائري نفسه عارياً سياسياً أمام شعبه وأمام العالم.
ثم جاء الخطاب الملكي السامي ليضع النقاط على الحروف، حين ثمّن القرار الأممي، وأعلن عن ميلاد عيد وطني جديد: “عيد الوحدة”، في إشارة سيادية واضحة إلى أن المغرب دخل مرحلة ترسيخ نهائي لوحدته الترابية، لا مرحلة تفاوض على وجوده.
هنا بالضبط، فقد النظام الجزائري آخر أوراق المتاجرة بقضية لم تكن يوماً قضية شعب، بل كانت مشروع بقاء لنظام، وآلية لإلهاء الداخل عن أزماته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وعن انسداد الأفق أمام شباب تُغلق في وجهه أبواب الأمل.
وعندما تُسحب من الأنظمة الشمولية أوراق الإلهاء الكبرى، فإنها لا تبحث عن الحل، بل تبحث عن الفوضى.
وهكذا تحولت كرة القدم، والملاعب، والمنصات الرقمية، والإعلام الرياضي، إلى بديل دعائي بائس عن ملف الصحراء الذي سقط من يدهم.
من هنا نفهم لماذا انفجر ذلك السيل من الأكاذيب، ولماذا استُهدفت المملكة المغربية، ولماذا وُضع الاتحاد الإفريقي لكرة القدم نفسه في مرمى النيران، ولماذا تحولت بعض الأصوات الإعلامية والمعلقين إلى أدوات تشويش سياسي، لا علاقة لها لا بالرياضة ولا بالأخلاق ولا بالمهنة.
إنها ببساطة سياسة نظام مأزوم يبحث عن عدو لالهاء شعبه الذي يعيش الغارق في الجحيم بعدما خسر معركته الأساسية.
المغرب الذي دعم الجزائر… حين كانت الجزائر بلا علم ولا دولة..
وقبل أن يُطلق بعض مسؤولي الجزائر ومعلقيها سهام الحقد والكذب في وجه المغرب اليوم، من الواجب أن يتذكروا – أو يُذكَّروا – بصفحة مشرقة من تاريخ الأخلاق السياسية والرياضية، اسمها المغرب.
ففي سنة 1958، وفي أوج حرب التحرير الجزائرية، عندما كان مجرد رفع العلم الجزائري جريمة في نظر الاستعمار الفرنسي، قرر المغرب أن يضع رياضته في خدمة حرية شعب جار.
حينها استقبل المغرب منتخب جبهة التحرير الوطني الجزائري، وواجه به منتخب المغرب في مباراة ودية رمزية، متحدياً فرنسا والفيفا معاً.
ذلك الموقف المبدئي كلّف المغرب غالياً:
فقد عاقبته الفيفا بالإيقاف لمدة سنة كاملة، وهو ما حرم المنتخب المغربي من المشاركة في كأس إفريقيا للأمم 1959 بمصر، رغم أنه كان من أبرز المرشحين للقب.
لكن المغرب لم يتراجع، لأن القيم عنده كانت أعلى من الكؤوس.
بل أكثر من ذلك، فقد احتضنت الرباط والدار البيضاء عدداً من المباريات الرسمية والشعبية لمنتخب جبهة التحرير، بحضور السلطان محمد الخامس وولي العهد الأمير مولاي عبد الله، وكانت تلك اللقاءات فضاءً لجمع التبرعات لصالح الثورة الجزائرية، ولمنح الفريق الجزائري شرعية دولية في مواجهة محاولات فرنسا عزله وتجريمه.
هكذا كان المغرب:
لم يكن فقط جاراً… بل كان ظهيراً.
لم يكن فقط مستضيفاً… بل كان حامياً.
لم يكن فقط داعماً سياسياً… بل كان مسانداً رياضياً دفع ثمن موقفه من رصيده القاري والدولي.
ومن يفقد ذاكرته… يفقد أخلاقه.
ومن يهاجم المغرب اليوم، وهو مدين له بالأمس بالاعتراف والاحتضان والدعم، لا يسيء إلى دولة فقط، بل يسيء إلى تاريخ نضالي مشترك كان يمكن أن يكون جسراً بين شعبين، لولا أن اختطفه نظام عسكري يعيش على صناعة الأعداء بدل صناعة المستقبل.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



