السياسة

دلالات اكتفاء عزيز أخنوش بولايتين انتدابيتين في قيادة الحزب

  • حسن أخواض//

أثار إعلان عزيز أخنوش عدم الاستمرار في رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار، على إثر انتهاء الولايتين الانتدابيتين التي يسمح بهما النظام الأساسي للحزب، العديد من التأويلات والتفسيرات إن لم نقل التكهنات حسب زاوية نظر كل فاعل على حدة. ولإبراز حيثيات هذا القرار الشخصي لهذا الفاعل السياسي الذي يتولى رئاسة الحكومة في نفس الوقت، لا مناص من الوقوف على شخصية المعني السياسية، وكذا السياق التدبيري لاتخاذ هكذا قرار، إضافة إلى انعكاسات هذا الحدث على الساحة السياسية، وصولا إلى دلالات انسحابه من قيادة الحزب الأغلبي في سنة انتخابية.

أولا: من هو عزيز أخنوش كفاعل سياسي؟

لا شك أن صورة عزيز أخنوش لدى الرأي العام مرتبطة أساسا بالمجال الاقتصادي بصفته فاعلا مؤثرا في العديد من القطاعات التجارية استنادا إلى أصوله العائلية (سليل أسرة المرحوم أحمد أولحاج المنحدر من دوار أكرض أوضاض بتافراوت بمنطقة سوس)، غير أن العديد يجهلون تدرجه في الميدان السياسي بدء بعضو مستشار بجماعة تافراوت ثم عضو بالمجلس الإقليمي لتيزنيت فرئاسة جهة سوس ماسة درعة سنة 2003، والتي كانت له منجزات تنموية لا زالت بصماتها تشهد له من تأهيل الطريق بين منطقتي سوس ودرعة ومطار زاكورة والتسويق المجالي والترابي والتنشيط الثقافي والسياحي وغيرها، قبل توليه منصب وزارة الفلاحة، في حكومة عباس الفاسي، التي قام بإعادة هيكلتها بإطلاق مخطط المغرب الأخضر متعدد السنوات -الذي أبانت فترتي جائحة “كورونا” والحرب الأوكرانية الروسية بالأرقام- عن أثره الإيجابي سواء في تأمين الأمن الغذائي للمواطنين أو في دعم الميزانين التجاري والأداءات، قبل انتخابه على رأس حزبه السياسي سنة 2016 ليقوده نحو تصدر المشهد السياسي بحنكته التدبيرية عبر تأسيس وتفعيل هيئاته الموازية، وبالتالي الوصول إلى المنصب الثاني للهرم السياسي المغربي كرئيس للحكومة سنة 2021 وكرئيس للجماعة الترابية لأكادير، حيث تم استنفاد الولاية الانتدابية الثانية على رأس الحزب موازاة مع ذلك.

ثانيا: سياق اتخاذ القرار السياسي

يلاحظ أن توقيت اتخاذ القرار جاء في ظرفية تدبيرية متميزة من حيث عودة الأمطار وتحسن الوضعية المائية بما يبشر بسنة فلاحية استثنائية، ووصول عدد السياح إلى رقم استثنائي يناهز 20 مليون سائح وسائحة وما يواكبه من استقطاب للعملة الصعبة، وكذا أجواء الأفراح التي تعيشها مختلف مناطق المملكة بسبب توهج المنتخب الوطني لكرة القدم، إضافة إلى توجيه أنظار العالم نحو المملكة المغربية بفضل التنظيم الهائل لكأس الأمم الإفريقية وما أبانته بلادنا من إمكانيات في البنية التحتية، كالملاعب العالمية والفنادق المصنفة والمطارات والطرق السيارة وجودة السكك الحديدية ووسائل النقل الطرقي والجوي والمراكز الاستشفائية الجامعية وغيرها.

كما سبقه حدثين بارزين يتمثلان في ظهور الحركة الاحتجاجية “جيل Z” بداية الدخول السياسي الجاري للتعبيرعن مطالب اجتماعية صرفة في ظل تحولات الدولة الاجتماعية –بغض النظر عن الدوافع والتقاطعات- ثم الخطاب الملكي في افتتاح البرلمان الذي دعا فيه معشر الأعضاء بغرفتي البرلمان لشرح المنجزات للمواطنين خلال شهر أكتوبر الماضي. وتنظيميا فقد أتى هذا القرار بعد الانتهاء من الجولات الجهوية لمسار الإنجازات وبعيد انعقاد المجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار الذي صادق على مشروع ميزانية سنة 2026 المتميزة بالاستحقاقات البرلمانية.

ثالثا: الانعكاسات على الساحة السياسية

إن اتخاذ هكذا قرار في ضوء السياق السالف الذكر، لا يمكن إلا أن يكون مفاجئا للفاعلين والمتتبعين والمهتمين، غير أن انعكاساته على الساحة السياسية سواء الآنية أو البعدية يمكن إجمالها في ثلاثة أبعاد رئيسية:

احترام النظام الأساسي للحزب والمساهمة في تخليق الحياة السياسية في مشهد يطبعه العزوف السياسي، بسبب الممارسات السلبية للمسؤولين على الهيئات السياسية بمختلف توجهاتها من تشبث بكراسي الزعامة، وتوريث المناصب لأبناء العائلات والمقربين، ومحاصرة الشباب إلى حد جعل مناصب في يد مجموعة صغيرة من المسؤولين ومواليهم؛

منح فرصة للحزب لاختيار خليفة –بغض النظر عن “بروفايل” من سيتم انتخابه والرهانات المعقودة على الحزب- والاستئناس بقيادة التنظيم في مرحلة يمكن أن تسمى انتقالية، في ظل التحول الهام الذي شهده طيلة عقد من الزمن بقيادة عزيز أخنوش والذي ساهم إلى حد بعيد في إبعاد الصورة النمطية اللصيقة به كحزب إداري جامد؛

إلقاء حجرة كبيرة في بيئة باقي الأحزاب الأخرى، والتي تزعم الديموقراطية وتتغنى بالتمثيلية الداخلية وغيرها من المفاهيم، وخصوصا تفويت فرصة تعليق مشجب الإخفاقات مع اقتراب الانتخابات وتجييش الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعية والخرجات الإعلامية.. إلخ.

رابعا: دلالات احترام النظام الأساسي للحزب

انطلاقا من كل ما سبق، يستنتج أن ظرفية اتخاذ قرار اكتفاء السيد عزيز أخنوش بولايتين انتدابيتين على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار كان إلى حد بعيد صائبا، حيث أنه لو ساير طرح تأجيل التنحي على رأس الحزب إلى ما بعد الانتخابات لكان تمويها للمواطنين، وهذا بعيد كل البعد عن خصاله المتميزة بالصدقية « La crédibilité » في الممارسة، وليس فقط في المجال التدبيري، حيث أستحضر هنا واقعة لقاءنا معه سنة 2012 بعد انتخابه نائبا برلمانيا عن دائرة تيزنيت وتوليه منصب وزير الفلاحة للمرة الثانية كفاعلين مدنيين من أحواز الإقليم، والتي طرحنا فيه أمامه قضية التحديد الغابوي للأملاك الخاصة للساكنة وما أبان فيها من حس عال من المسؤولية بفتح تلك المنطقة أمام التحفيظ الجماعي في مرحلة أولى، ثم مرحلة التسوية مع الإدارة المعنية بعد إلحاق المياه والغابات بوزارة الفلاحة في الولاية الثالثة.

وعلى سبيل الختم، وكيفما كانت التكهنات والدوافع والتأويلات، فلا أحد سينكر مدى مساهمة السيد عزيز أخنوش في الحياة السياسية للبلاد لأزيد من عقدين من الزمن، ولا شك أنه سيبقى مواطنا غيورا على وطنه وملكه، من أي موقع يشغله مستقبلا.  

حسن أخواض: فاعل مدني وباحث في العلوم الإدارية والسياسية

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى