
حديث الأربعاء: الرياضة .. مسار البناء ولحظة النتيجة
ما تحققه بلادنا في مجال كرة القدم لم يعد مجرد صدفة رياضية أو حصيلة جيل موهوب فحسب، بل أصبح تعبيرا عن تحول أعمق في طريقة التفكير وفي منطق تدبير الشأن الرياضي. فمن المشاركة المتميزة في كأس العالم بقطر، إلى ترسيخ الحضور العربي والدولي، وصولا إلى احتضان كأس إفريقيا للأمم، حيث يتأكد أن النتائج لم تأت من فراغ، بل من تراكم اختيارات واضحة استثمرت في التكوين، والبنية التحتية، والحكامة، وربطت الرياضة بأفق وطني أوسع.
هذا المسار يجد إطاره المرجعي في الرسالة الملكية السامية لسنة 2008، التي وضعت الرياضة في قلب مشروع التنمية البشرية، كما يتجلى في الدور المفصلي الذي لعبته أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، حين نقلت التكوين من منطق الاجتهاد الفردي إلى منطق المؤسسة. وقد أثبتت التجربة أن الرياضة، حين تدار بعقلية المشروع، تنتج نتائج قابلة للاستمرار، وتتحول من نشاط موسمي إلى رافعة استراتيجية.
أما في السياق الدولي، فمنذ عقود لم تعد الرياضة، وخصوصا كرة القدم، مجالا للهواية أو الترف، بل أضحت صناعة متكاملة تقوم على المعرفة، والتخطيط، والبحث العلمي، والتكوين، والاقتصاد، والاتصال. وككل صناعة، فهي تحتاج إلى رؤية واضحة، واستراتيجية طويلة المدى، وبرامج عمل دقيقة، وإمكانيات معبأة، وأفق زمني يتجاوز منطق النتائج الآنية. لذلك تؤكد التجارب الدولية أن الدول التي نجحت رياضيا لم تعتمد على الموهبة وحدها، بل حولت الرياضة إلى سياسة عمومية قائمة بذاتها.
في ألمانيا، جرى إدماج الرياضة ضمن تصور وطني يجعل التكوين الأساسي حجر الزاوية. فتم الاستثمار في الأكاديميات، وتوحيد معايير التكوين، وتأهيل المدربين، وربط الأندية بمنظومة وطنية منسجمة، بما سمح بتجديد دائم للنخب الرياضية، وجعل النجاح نتيجة نظام لا استثناء عابر.
أما فرنسا، فقد اختارت مبكرا اعتبار الرياضة مجالا من مجالات التدخل العمومي المنظم. وربطت الرياضة بالمدرسة والجامعة، وأنشأت مراكز وطنية وجهوية للتكوين، وجعلت من الرياضي مشروع مواطن قبل أن يكون مشروع بطل. هذا الاختيار وسع القاعدة البشرية، وعزز الاندماج الاجتماعي، وجعل الأداء العالي نتيجة لمسار تربوي متكامل، لا غاية معزولة.
كما تظهر تجارب دول أخرى، في شمال أوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية أن النجاح الرياضي ممكن حتى في ظل إمكانيات محدودة، حين يتم تحديد الرياضات ذات الأولوية، وتوجيه الموارد نحوها بذكاء، ودمج الرياضة في السياسات العمومية المرتبطة بالصحة والتعليم والتنمية المجالية.
بالرجوع إلى بلادنا فهي تتوفر اليوم على جملة من الشروط الموضوعية التي تتيح تفعيل سياسة رياضية طموحة: نص تشريعي منظم وان كان يحتج إلى تحيين ودعم مادي عمومي ، ومواكبة تقنية ولوجستية تؤطر عمل الجامعات الرياضية التي تجاوزت أربعين جامعة رياضية، من بينها أكثر من ثلاثين جامعة أولمبية، مؤطرة تقنيا ولوجستيا من طرف اللجنة الأولمبية الوطنية فضلا عن بنية تحتية تعرف تطورا ملحوظا.
غير أن توفر هذه العناصر، على أهميتها، لا يعني بالضرورة وجود سياسية رياضية مكتملة. فهذه الشروط تظل إطارا عاما يحتاج إلى رؤية استراتيجية جامعة، قادرة على توجيه الموارد، وتحديد الأولويات، وربط التكوين بالممارسة، والنتائج بالمسار. فبدون استراتيجية واضحة وطويلة المدى، تظل الجهود مبعثرة، والمبادرات معزولة، مهما بلغت جودتها.
وفي هذا السياق، تبرز مبادرات واعدة في مجالات رياضية أخرى غير كرة القدم، كالغولف حيث الأكاديمية على الأبواب، أو الفروسية حيث تمأسس التكوين، أو الرماية الرياضية التي تشير المعطيات المتوفرة إلى استكمال الدراسات المتعلقة بإحداث مركز وطني لها. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تعدد هذه المبادرات، -وهي اساسية ومتميزة ويجب تشجيعها ما في ذلك اذى شك -بل في قدرتها على الاندماج ضمن تصور وطني شامل، يواكب الجامعات الرياضية الأخرى في الانتقال من منطق الهواية إلى الاحتراف في التدبير والتسيير، قبل الحديث عن المنافسة والنتائج
فالدرس الأساسي الذي تقدمه التجربة المغربية، كما التجارب الدولية المقارنة، هو أن النجاح لا ينتج عن الأنشطة المتفرقة، بل عن الاستراتيجية، وعن التخطيط الواعي. فالسياسة الرياضية الحديثة ليست برنامجا سنويا ولا مجرد توزيع للدعم، بل اختيار استراتيجي طويل النفس، يبرمج لعشر أو عشرين سنة، ويجعل من الرياضة رافعة للتنمية، وأداة للاندماج الاجتماعي، ومجالا للاستثمار في الإنسان.
وفي الأخير تأتي مباراة نصف النهائي اليوم في الرباط لتمنح هذا النقاش بعده العملي. فهي تذكير بأن ما نراه فوق الملعب هو ثمرة مسار سابق، لا وليد لحظة.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



