الرأيالمغرب اليوم

المغرب بين طموح الدولة واختلالات النخب هل حان وقت الفرز الحاسم لإنقاذ مسار المغرب الصاعد؟

  • بقلم: حسن كرياط //

لم يعد النقاش الحقيقي حول مستقبل المغرب يدور حول صواب الاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي اعتمدتها الدولة خلال العقود الأخيرة، بقدر ما أصبح يتمحور حول قدرة النخب السياسية والاقتصادية والثقافية والإدارية على مواكبة هذه الاختيارات وتحويلها إلى نتائج ملموسة تمس حياة المواطن وتكرّس الثقة في المشروع الوطني.
فالمغرب، اليوم، ليس دولة مترددة في رؤيتها، ولا بلدًا يفتقد البوصلة. على العكس، لقد راكمت المملكة، منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، مسارًا إصلاحيًا واضح المعالم، بدأ بما يمكن تسميته بـ«المصالحة السياسية» مع دستور 1996، ثم تجربة التناوب التوافقي، قبل أن تتوالى محطات مصالحة أخرى حقوقية واجتماعية وثقافية ومجالية.
وقد تُوِّج هذا المسار بإطلاق هيئة الإنصاف والمصالحة، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومخططات إدماج الأمازيغية، وإرساء الجهوية المتقدمة، إلى جانب عشرات الاستراتيجيات القطاعية التي استهدفت تحديث البنية التحتية، وتعزيز مكانة المغرب الدبلوماسية، وتقوية حضوره الاقتصادي واللوجيستيكي إقليميًا ودوليًا.
هذه الدينامية مكّنت المغرب من تثبيت موقعه كفاعل إفريقي صاعد، وشريك استراتيجي موثوق على المستوى الدولي، خاصة في مجالات الأمن، والهجرة، والطاقات المتجددة، والاستثمار الصناعي، والدبلوماسية متعددة الأبعاد.
غير أن هذا المسار، رغم وضوحه، لم يخلُ من تعثرات بنيوية واختلالات عميقة، أشار إليها بوضوح الخطاب الملكي في أكثر من مناسبة، خصوصًا خلال السنتين الأخيرتين. وقد جاء خطاب العرش الأخير بنبرة غير مسبوقة، حين أكد جلالة الملك أن المغرب يسير بسرعتين، وأن ما يتحقق في بعض القطاعات لا يوازي حجم الطموحات الوطنية، ولا يعكس الإمكانات الحقيقية للبلاد.
واللافت أن جوهر هذه الاختلالات لا يرتبط فقط بالبنيات أو الموارد، بل أساسًا ببناء الإنسان وتكريمه. فالتقارير الوطنية الرسمية، من المجلس الأعلى للتربية والتكوين، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمندوبية السامية للتخطيط، تكشف تراجعات مقلقة في التعليم، والصحة، والتشغيل، والحكامة، والإدارة العمومية، إضافة إلى أزمة الثقة لدى الشباب، واتساع الفوارق المجالية، وتزايد الهشاشة الاجتماعية، وتحديات الأمن الغذائي والمائي.
لكن الأخطر من كل ذلك، أن جزءًا من هذه الاختلالات لا يمكن عزله عن سلوك فئات من النخب التي لم تكن في مستوى المرحلة. نخب تعلن الالتزام بالوطن وثوابته، وتتبنى خطاب الحداثة والتنمية، لكنها في الممارسة اليومية تُنتج الرداءة، وتعيد إنتاج الفساد، وتُفرغ السياسات العمومية من مضمونها.
هذه الفئات — وهي جزء لا يمثل الكل — أسهمت في تكريس التفاهة في الإعلام والفن، وإضعاف منظومة القيم، وتفكيك الأسرة، وتغذية اقتصاد الريع، وتعميق الفوارق الاجتماعية، وإضعاف المدرسة العمومية، وإرباك قطاع الصحة، وعرقلة الاستثمار المنتج، بل وحتى المسّ بالأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية.
ولا يمكن تجاهل أن بعض هذه النخب يشتغل داخل شبكات مصالح مترابطة، لها امتدادات مالية وإعلامية واستشارية، وأحيانًا علاقات خارجية، توظَّف لإعادة إنتاج النفوذ، والتحكم في القرار، وتحييد الكفاءات الجادة.
في المقابل، يتوفر المغرب على رصيد وطني هائل من النخب المخلصة والكفؤة، داخل الوطن وخارجه، في مجالات السياسة والاقتصاد والبحث العلمي والإدارة والتخطيط والهندسة والثقافة. نخب تؤمن بالمشروع الوطني، وتدرك حجم الإكراهات الدولية والداخلية، لكنها تُهمَّش أو تُقصى لصالح منطق الولاء بدل الكفاءة.
إن اللحظة الراهنة تفرض، أكثر من أي وقت مضى، بناء توافق جديد بين الدولة وهذه النخب الصالحة، توافق يقوم على الثقة المتبادلة، والنقد المسؤول، وتقاسم الأدوار. توافق تتنازل فيه النخب عن أوهام “الدولة المثالية” بتفهم تعقيدات الواقع، وتتنازل فيه الدولة عن منطق “النخبة الطيّعة” لصالح الكفاءة والاستقلالية والنزاهة، حتى وإن كان ذلك مزعجًا على المدى القصير.
فالمغرب يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات السيادة، والتنمية، والعدالة الاجتماعية، والتموقع العالمي. ولن ينجح في كسب هذه المعارك إلا بسرعة موحّدة، ونخب متجددة، وإرادة حازمة في الفرز والمحاسبة.
ويبقى السؤال المشروع اليوم:
هل ما نشهده من إصلاحات وحملات وتغييرات هو بداية حقيقية لتصفية نخب أعاقت المسار، وفتح الطريق أمام نخب جديدة تقود المغرب الصاعد بالإنسان والعمران؟
الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى