
درس أخنوش…هل وصلت الرسالة إلى باقي الأحزاب؟
في لحظة سياسية نادرة في المشهد الحزبي المغربي، اختار عزيز أخنوش أن يضع نقطة نهاية لمساره على رأس الحكومة وحزب التجمع الوطني للأحرار، ليس عبر الهزيمة الانتخابية أو ضغط داخلي، بل بقرار إرادي واضح: عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب، وعدم خوض الانتخابات التشريعية المقبلة. قرارٌ يحمل أكثر من دلالة، ويتجاوز حسابات الأشخاص إلى منطق المؤسسات، ويطرح سؤالاً جوهرياً: هل وصلت الرسالة إلى باقي الأحزاب وقياداتها التاريخية؟
إعلان حزب التجمع الوطني للأحرار عن عقد مؤتمر استثنائي يوم 7 فبراير المقبل بمدينة الجديدة، وفتح باب الترشح لرئاسة الحزب بين 12 و21 يناير، يؤشر على انتقال منظم ومدروس نحو مرحلة ما بعد أخنوش. وهي خطوة نادراً ما تُقدم عليها الأحزاب المغربية بنفس السلاسة والوضوح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقيادات جمعت بين رئاسة الحزب ورئاسة الحكومة.
أخنوش، الذي قاد الحكومة في ظرفية دقيقة اتسمت بتداعيات الجائحة، وضغوط اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، اختار أن يغادر المشهد التنفيذي والحزبي في أوج النقاش السياسي، مقدماً درساً عملياً في التناوب على المسؤولية. درسٌ مفاده أن العمل السياسي ليس امتلاكاً دائماً للقيادة، بل تكليف مؤقت تحكمه القواعد والمؤسسات والآجال.
الرسالة التي بعث بها أخنوش، وإن جاءت بلغة هادئة وغير صدامية، فهي في العمق رسالة قوية ومشفرة لباقي الأحزاب: المغرب اليوم في حاجة إلى أحزاب مؤسسات لا أحزاب أشخاص، وإلى قيادات تتداول المسؤولية بدل احتكارها، وتفسح المجال أمام أجيال جديدة من الشابات والشباب القادرين على تجديد الخطاب والممارسة.
في المقابل، يطرح هذا القرار مرآة محرجة أمام عدد من الأحزاب الوطنية، التي ما تزال قياداتها التاريخية تتشبث بالمواقع، رغم تعاقب الهزائم الانتخابية أو تراجع التأثير المجتمعي، بل إن بعض هذه القيادات سبق أن ترأست الحكومة أو شغلت مناصب وزارية وازنة، دون أن تُقدم على خطوة مماثلة تعكس الإيمان بالتجديد والتناوب.
سياسياً، لا يمكن فصل خطوة أخنوش عن السياق العام الذي يؤكد فيه المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، على منطق المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب.
وهو ما عبّر عنه المكتب السياسي لحزب “الأحرار” في اجتماعه الأخير، سواء من خلال الالتزام بالآجال التنظيمية، أو عبر تثمين الدينامية الداخلية، أو حتى من خلال استحضار البعد الرمزي لتهنئة الملك والشعب المغربي بالسنة الأمازيغية الجديدة 2976، في انسجام مع التحولات الدستورية والثقافية التي تعرفها البلاد.
غير أن السؤال الأهم يظل مطروحاً: هل ستلتقط باقي الأحزاب هذه الإشارة؟ وهل ستتحول تجربة أخنوش إلى سابقة سياسية تُؤسس لثقافة جديدة داخل الحقل الحزبي المغربي، أم ستظل استثناءً ظرفياً؟
إن ما قام به أخنوش لا يعني بالضرورة تقييماً إيجابياً أو سلبياً لحصيلته الحكومية، فذلك موضوع آخر تحكمه صناديق الاقتراع والنقاش العمومي، لكن الثابت أن درسه الأخير يتجاوز الحصيلة إلى المنهج: منهج التداول، واحترام الزمن السياسي، والاقتناع بأن قوة الحزب لا تقاس بعمر زعيمه، بل بقدرته على إنتاج قيادات جديدة واستمرارية مؤسساته.
في زمن التحولات الكبرى، تبدو الرسالة واضحة: من أراد الاستمرار، فليجدد نفسه. ومن أراد خدمة الوطن، فليؤمن بأن الكرسي وسيلة لا غاية. فهل وصلت الرسالة؟ أم أن بعض الأحزاب ما تزال تقرأ السياسة بعين الماضي؟
- الحسن باكريم //
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



