
طقوس الحفلات الفلاحية..ندوة علمية بأكادير تكشف العمق الرمزي للسنة الأمازيغية
في إطار انطلاق أنشطتها الثقافية احتفاءً بالسنة الأمازيغية الجديدة 2976، نظّمت جماعة أكادير ندوة ثقافية علمية خصصت لموضوع الأنشطة الفلاحية والطقوس المرتبطة بها في الثقافة الأمازيغية، وذلك بحضور باحثين وفاعلين جمعويين، وبمشاركة نوعية أغنت النقاش حول العمق الزراعي والرمزي لاحتفال إيض يناير.
شارك في أشغال هذه الندوة كل من الباحث محمد مهدي والمناضل الجمعوي إبراهيم أوبلا، فيما تولّى الأستاذ أحمد طالب تسيير الجلسة، في لقاء جمع بين المقاربة الأكاديمية والبعد الميداني والذاكرة الجماعية.افتتحها كاتب مجلس جماعة أكادير خالد القايدي بكلمة بإسم الجماعة الجهة المنظمة، أكد من خلالها أن المجلس مند توليه بادر إلى جعل مدينة أكادير عاصمة للثقافة الأمازيغية قولا وفعلا ببرامج تشاركية مع كل الفعاليات.
عرض إثنوغرافي يؤطر يناير كطقس فلاحي
وقدّم الباحث محمد مهدي مداخلة علمية معمّقة، اختار لها مقاربة إثنوغرافية، تناول من خلالها السنة الأمازيغية (يَناير أو إيض نسكاس) باعتبارها طقساً زراعياً تقليدياً، لا يمكن فصله عن باقي الطقوس الفلاحية التي عرفتها المجتمعات الأمازيغية بالمغرب عبر التاريخ.
واعتمد الباحث في عرضه على ثلاث وثائق أساسية، دراسته حول أدوار الزراعة (2014)، وشريط توثيقي عن احتفال يناير في قبيلة إركيتن، ثم عمله الإثنوغرافي حول العودة إلى إمليل وشعيرة مرتبطة بمرحلة ما قبل الحرث في الأطلس الكبير.
الطقوس الزراعية بين الخصوبة والتماسك الاجتماعي
واستحضر محمد مهدي، وهو ابن قبيلة إركيتن بالأطلس الكبير، تجربته البحثية السابقة ضمن دراسة أنجزتها منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) سنة 2004 حول الدور الثقافي للزراعة في منطقة الشاوية، حيث أبرز غنى الطقوس المرافقة لمراحل الحرث، ونهاية الموسم الفلاحي، وبداية السنة الزراعية.
وأوضح أن هذه الطقوس كانت تتضمن تقديم قرابين نباتية وحيوانية مثل: خبز الحرث، الرمان، الذرة المحمصة، الدجاج، الزبدة، باعتبارها رموزاً للخصوبة والوفرة وضمان الاستمرارية والتماسك الاجتماعي داخل الجماعة.
وقارن الباحث بين طقس يناير وطقوس أخرى مثل “شعيرة تيغرسي” بالأطلس الكبير، أو مواسم الأولياء كسيدي شمهروش، مبرزاً أن القاسم المشترك بينها هو الطابع الديني–الرمزي المرتبط بدورات الطبيعة والزمن الفلاحي.
يناير كطقس عبور… وخطر الفولكلرة
وفي تحليله الرمزي، صنّف محمد مهدي هذه الممارسات ضمن ما يسميه عالم الأنثروبولوجيا فان غينيب بـ“طقوس العبور”، باعتبارها انتقالاً زمنياً ومكانياً يتم عبر قرابين ذات حمولة سحرية–دينية، هدفها ضمان التجديد وإرضاء القوى الغيبية، على غرار طقوس أوكايمدن أو مواسم الشاوية.
وأشار إلى أن الاستهلاك الجماعي للطعام خلال يناير، من خلال ذبيحة الديك الرومي، وأطباق مثل الرفيسة أو تاكولا والكسكس، يشكّل آلية قوية لبناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الهوية الجماعية، مع ما يحمله من دلالات الشبع والرخاء للسنة المقبلة.
غير أن الباحث نبّه في المقابل إلى أن عدداً من هذه الطقوس اندثر أو تراجع بفعل التحديث وهيمنة الخطاب السلفي، محذّراً من خطر تحويل يناير إلى فولكلور جامد منزوع الدلالة، بدل كونه ممارسة ثقافية شعبية حية.
دعوة إلى إثنوغرافيا ممنهجة
وختم محمد مهدي مداخلته بالدعوة إلى إنجاز إثنوغرافيا ممنهجة ومتعددة السياقات، قادرة على تفكيك رموز هذه الطقوس وفهم تحوّلاتها في المغرب المعاصر، خاصة في ظل الاعتراف الرسمي بالسنة الأمازيغية وعلاقتها بالذاكرة والهوية والتنمية الثقافية.
وتندرج هذه الندوة، التي احتضنتها قاعة سينما صحراء التابعة لجماعة أكادير، ضمن دينامية ثقافية تروم إعادة الاعتبار للبعد الأمازيغي الفلاحي بوصفه رافعة أساسية لفهم تاريخ المجتمع المغربي وعمقه الإفريقي.
أكادير اليوم
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News






