
حين تفقد كرة القدم روحها… من لعبة توحِّد إلى ساحة انقسام
- بقلم: سيداتي بيدا//
لم تكن كرة القدم يومًا مجرد مباراة تحسم بنتيجة، ولا تسعين دقيقة من الركض خلف الكرة، بل كانت ولا تزال في أصلها لغة إنسانية عابرة للحدود، وجسرًا للتلاقي بين الشعوب، ومساحة رحبة لترسيخ قيم الاحترام، والتآخي، والتنافس الشريف.
غير أن هذه اللعبة، التي وحّدت القلوب قبل الأقدام، باتت في عصرنا الحالي مهددة بالغرق في مستنقع التعصب، وفقدان المعنى، وانحراف البوصلة عن جوهرها النبيل.
لقد تحوّلت مدرجات الملاعب، في كثير من الأحيان، من منصات للفرح الجماعي إلى ساحات صراع لفظي وسلوكي، حيث تتراجع الروح الرياضية أمام موجات من الإساءة، والتجريح، والتعصب الأعمى.
ولم يعد الانتصار هدفًا رياضيًا مشروعًا فحسب، بل غاية تبرر، لدى البعض، كل أشكال الانحراف الأخلاقي، من سبٍّ وشتم، إلى عنفٍ مادي ومعنوي، يسيء للعبة قبل أن يسيء لخصومها.
إن أخطر ما تواجهه كرة القدم اليوم ليس التطور التجاري ولا الاحتراف المفرط، بل غياب الوعي المجتمعي لدى شريحة من الجماهير التي انجرفت إلى سفاسف الأمور، وابتعدت عن القيم التي نشأت عليها اللعبة.
حين يموت الحس الرياضي، وتغيب الروح، تتحول الكرة من وسيلة للتقارب إلى أداة للفرقة، ومن مساحة للمتعة إلى وقود للكراهية.
ولا يمكن إعفاء المؤسسات الرياضية والإعلامية من مسؤولياتها في هذا المشهد المأزوم. فالإعلام الرياضي، حين يلهث خلف الإثارة الرخيصة، ويسهم في تأجيج التعصب بدل تهذيبه، يصبح شريكًا في الأزمة لا ناقلًا محايدًا لها. كما أن غياب برامج التوعية، وضعف الخطاب التربوي، يفتحان المجال أمام ثقافة الانتصار الأجوف، الخالي من أي بعد أخلاقي أو إنساني.
إن استعادة كرة القدم لروحها الحقيقية تتطلب مراجعة شاملة، تبدأ من المدرجات ولا تنتهي عند غرف الاتحاد الدولي. نحتاج إلى جماهير واعية تدرك أن التشجيع لا يعني الإلغاء، وأن الخلاف لا يبرر الإساءة، وأن الخصم في الملعب شريك في صناعة المتعة لا عدوًا يجب سحقه.
كما نحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول، يعيد الاعتبار لقيم الاحترام، والتسامح، والتآزر، ويُذكّر الجميع بأن كرة القدم وُجدت لتجمع لا لتفرّق.
في النهاية، ستبقى كرة القدم مرآة للمجتمع؛ إن صلحت القيم صلحت اللعبة، وإن فسدت العقول غابت الروح. والرهان الحقيقي اليوم ليس على من يفوز بالكأس، بل على من ينتصر للإنسان داخل الملعب وخارجه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



