
“فرانتز فانون” لجان كلود بارني.. الطبيب الذي فكك الفعل الكولونيالي
- محمد بكريم //
يُعتبر فيلم “فرانتز فانون” للمخرج جان كلود بارني لحظة سينمائية وفكرية فارقة؛ فهو ليس مجرد فيلم سيرة ذاتية (Biopic) بالمعنى التقليدي، بقدر ما يركز على محطة مفصلية في مسار هذا المثقف الثوري المستقبلي، الذي حول التزامه كطبيب نفسي إلى فعل لتفكيك الظاهرة الاستعمارية، من خلال تحليل جدلي يربط بين “الاعتقال النفسي” و”الفعل العنصري”.
عُرض الفيلم في المغرب في مناسبتين (مراكش ضمن فقرة موازية، وفي أكادير ضمن مسابقة رسمية حيث تم تجاهله مع الأسف من طرف لجنة التحكيم). لم ينل حظه من النقاش المستحق، فنيا لقراءة تجربة سينمائية في سرد ها لحياة انخرطت بقوة في إشكالات زمنها، وفكريا لما يسترجعه الفيلم، تصريحا وتلميحا، من اطروحات هذا المفكر الاستثنائي…وخاصة ان “الفانونية” كانت حاضرة إلى هذا المستوى او ذاكر في الفكر المغربي، لنقل في صيغته التقدمية (مقال شهير لعبد الكبير خطيبي يناقش بعض موضوعاته التأسيسية) بل وحاضرة في بعض تعبيراته الإبداعية من رواية (خيرالدين) وسينما (البوعناني، الدرقاوي، لقطع…)
على المستوى الشخصي وكمنتوج لسبعينات القرن العشرين، أنا ومجايلي وجدنا بالفعل لدى فانون ونحن القادمين من الشعب الكادح (لم نكن من فئة “الورثة” بتعبير بورديو) استعادة تقدير الذات (الشخصية والتاريخية)، والاهتمام بتجويد الحياة، والتفكير في عالم بديل مع رفض تقليد أوروبا، والتأكيد على الاستقلالية / الاوطونومية من أجل بناء حضارة أفريقية تغني تنوع العالم.
راهنية فانون والتي نلمسها في الفيلم ليست في تفاصيل أطروحته حول جدلية “الانا” والاخر”، أو حول دور العنف التطهيري بل أساسا في كونه يجدد تعريف/مفهوم المثقف في زمن فتنة المفاهيم. وعلى خطاه أقول/ أذكر بهذا التحديد:
المثقف هو من يقول لا!
فانون نموذج المثقف الذي لا يفصل ما بين التخصص المهني والوعي التاريخي. لقد استقال فانون من منصبه كطبيب نفسي في رسالة مفتوحة وجهها إلى المقيم العام الاستعماري، كتب فيها أنه من المستحيل بالنسبة له الإصرار على تحرير الأفراد من الاغتراب النفسي وإعادتهم إلى “مكانهم” في بلد “أصبح فيه اللاقانون واللامساواة والقتل مبادئ تشريعية، وحيث يعيش المواطن الأصلي، المغترب دائماً في بلده، حالة من طمس الشخصية المطلق”.
وفي كتابه “معذبو الأرض”، واصل فانون هذا التساؤل حول الاستلاب الذي يفرضه عالم مهيمن يعمل على تخريب وتغيير الجماعات والذوات في صيرورتها الشخصية. ويستعيد الكتاب، مع تعميق الطرح في إطار النضال السياسي، معطيات علاقات “المهيمِن/المهيمَن عليه” وشروط التحرر، رابطاً بين التحرر السياسي والثقافي وتحرر الذات.
حظي فيلم بارني بتلقي إيجابي على عدة مستويات رغم توزيعه المحدود (هناك من يزعجه موضوع الفيلم). اعتمد كتابة سينمائية ديداكتيكية في مقاربة الشخصية في ابعادها الانسانية (الزوج، الأب، الرفيق..) المهنية والنضالية. تركيب شبه خطي يعتمد تداول المتتاليات تسمح لكل لحظة درامية أن تشي بما تحمله من رموز ودلالات دون اثارة أو رغبة في الابهار.
أقتبس من الفيلم ثلاث مشاهد تجسد في نظري مسار تشكل وعيه:
المشهد الأول: لحظة وصوله إلى مستشفى “بليدة” عام 1953 لتولي مسؤولية قسم الأمراض النفسية، حيث استقبله موظف اعتقد أنه “السائق” وسأله مع زوجته: “هل سيصل الطبيب فيما بعد؟”. هذا “الخطأ” يكشف طبيعة الأجواء التي سيكتشفها لاحقاً في طريقة التعامل مع المرضى من السكان الأصليين، الذين كانوا يُعاملون ككائنات “دون بشرية”.
المشهد الثاني: هي اللحظة التي يقرر فيها “تحرير” مرضاه بالمعنى القوي للكلمة، ليقترح عليهم نموذجاً علاجياً مغايراً، يتعامل معهم هذه المرة كبشر.
المشهد الثالث: تدور أحداثه في ضواحي الجزائر العاصمة، حيث يلتقي بشخصية تاريخية في الثورة الجزائرية وهو عبان رمضان. إنه لقاء بين مثقفين استثنائيين، يجمعهما نوع من “الهامشية المزدوجة”: هامشية سياسية بسبب الواقع الاستعماري، وهامشية ثقافية لكونهما ينحدران من ثقافات غُيبت في صمت التاريخ الرسمي؛ الثقافة الأمازيغية والثقافة المارتينيكية.
وأود التركيز على المشهد الثالث يعتبر اللقاء بين فرانتز فانون وعبان رمضان في فيلم جان كلود بارني ذروة درامية وفكرية تختزل فلسفة “حوار الهوامش”. فاختيار المكان ليس اعتباطيا. فانون يذهب إلى الآخر في رحلة فكرية تنويرية. من المركز الى المحيط.
نعم، المشهد في ضواحي المدينة يكتسي جمالية خاصة؛ فالمكان شبه معزول، ضيعة يتواجد فيها مجموعة من الفلاحين (عمال زراعيين). مما يوحي بأن فانون ورمضان نموذج المثقف العضوي المرتبط بطبقة اجتماعية. هؤلاء المثقفين ينسجون تاريخاً جديداً “خارج” السردية الرسمية الاستعمارية. وفي لقطة بليغة تقوم امرأة (زوجة فانون الفرنسية) بالتقاط الصورة لهذا اللقاء المتعدد الأبعاد. هذا اللقاء ليس مجرد موعد بين ثوريين، بل هو تثاقف (Acculturation) من نوع خاص، يجمع بين وعيين جريحين من أجل صياغة أفق كوني جديد.
ما يجمع فانون المارتينيكي بعبان رمضان الأمازيغي هو ما يسمى بالفرنسية Double Marginalité (الهامشية المزدوجة). كلاهما ينتمي إلى هويات تعرضت “للقمع التاريخي” من طرف المركزية الاستعمارية الفرنسية.
فانون: يمثل الهامش القادم من جزر الأنتيل، الذي اكتشف أن “الاستيعاب” الثقافي الفرنسي هو كذبة كبرى تصطدم بلون البشرة وبالمستوى الاجتماعي.
عبان رمضان: يمثل الهامش الأمازيغي داخل الجزائر، الذي يقاتل لإثبات وجوده في تاريخ رسمي يريد محوه.
هذا اللقاء هو “تحالف الهوامش” ضد “المركز” المستعمر؛ حيث يدرك الطرفان أن تحرر هنا هو بوابة لتحرر الإنسان في كل مكان. والصورة التي تجمعهما تأخذ بعدا تراجيديا عندما نعلم ما سيخبئه مكر التاريخ لمسار هاتين الشخصيتين. الفيلم ينجح فعلا في التلميح إلى أن كلاً من فانون وعبان رمضان يدركان مصيرهما المأساوي (المرض لفانون والاغتيال السياسي لرمضان). هذا “القلق الوجودي” المشترك يجعل حوارهما حواراً أنطولوجياً (وجودياً) وليس مجرد تنسيق سياسي.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



