الثقافة

حين تشتبك الكرة بالذاكرة: السخرية من التاريخ كامتداد ناعم للعنف الاستعماري

  • بقلم: حسن كرياط//

لم يكن ما جرى في مدرجات البطولة الرياضية مجرد حادث عرضي أو انفعال لحظي يُختزل في إطار المنافسة والفرجة، بل شكّل لحظة سياسية كاشفة لواحدة من أعقد مفارقات التاريخ المعاصر؛ لحظة اصطدم فيها الوعي بالذاكرة، واختلط فيها الاستهزاء بالإرث، وانكشفت خلالها هشاشة التعامل مع الماضي الاستعماري الذي لم يُغلق ملفه بعد، لا قانونيًا ولا أخلاقيًا ولا رمزيًا.

في هذا السياق، لم يكن المشجع الكونغولي باتريس مجرد متفرج عابر، بل تحوّل إلى فاعل رمزي يحمل رسالة تتجاوز حدود المدرجات. حضوره كان فعل مقاومة ناعمة، وتذكيرًا جماعيًا بجرائم الاستعمار في إفريقيا: أجساد انتهكت، أرواح اقتُلعت من أوطانها، ومقاومون حُرموا حتى من حق الدفن الكريم. لقد أعاد وقوفه الشامخ إلى الواجهة ذاكرة إفريقية حاولت القوى الاستعمارية طمسها عبر العنف المادي أولًا، ثم عبر النسيان القسري وإعادة كتابة التاريخ لاحقًا. غير أن تلك الذاكرة، كما أثبت المشهد، لا تزال عصيّة على الدفن، لأن التاريخ لا يُمحى بالصمت ولا يُغلق بالاستهزاء.

وتتجلى المفارقة القاسية حين تصدر السخرية من لاعب ينتمي، بحكم النسب والتاريخ، إلى نفس السلالة التي دفعت الثمن الأفدح للغزو والهيمنة. إنها مفارقة الوعي المنفصل عن الجذور، حيث يتحول الضحية التاريخية إلى ساخر من جراحها، ويُعاد إنتاج العنف ولكن هذه المرة بأدوات رمزية. ففرنسا، على سبيل المثال، لا تزال إلى اليوم تحتفظ في متاحفها بعشرات الجماجم لمقاومين أفارقة، من الجزائر إلى السنغال والكونغو، معروضة ضمن ما يسمى “التراث الإثنوغرافي”، في انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، ودليل مادي على أن الاستعمار لم يكن حدثًا عابرًا، بل منظومة مستمرة بأشكال جديدة. هذه الجماجم ليست بقايا تاريخ منتهٍ، بل وثائق إدانة حيّة لعنف رمزي متواصل، يتجدد حين يُسخر من الذاكرة بدل الدفاع عنها.

إن ما حدث يكشف فجوة خطيرة بين الذاكرة التاريخية والوعي السياسي لدى بعض أبناء القارة الإفريقية، حيث يتحول الإرث الاستعماري من جرح جماعي إلى مادة للاستهزاء، ومن مأساة مشتركة إلى لحظة استعلاء فارغة. السخرية هنا لا يمكن قراءتها كزلة فردية أو تصرف معزول، بل كعرض لفراغ أخلاقي ناتج عن قطيعة مع التاريخ، وعن فشل في إدراك أن التحرر الحقيقي لا يكتمل بالاستقلال الشكلي ولا بالنجاح الفردي، بل باستعادة الذاكرة الجماعية واحترام رموزها وتحصينها من التشويه.

في زمن السرعة والاستهلاك، قد تمر السخرية كلحظة عابرة تُطوى في زحام الأخبار، لكن الرسالة التي حملها المشجع، ومعه التاريخ الإفريقي المثقل بالجماجم والدماء المنسية، ستظل أكثر رسوخًا. فهي التي تفضح هشاشة الخطابات التي تتنكر للذاكرة، وتعيد تعريف معنى العظمة والكرامة، وتؤكد أن معركة التحرر لم تنتهِ بعد، بل ما زالت تُخاض، أحيانًا، في أكثر الفضاءات غير المتوقعة… حتى في مدرجات الرياضة.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى