الثقافة

المغرب في الكتابة التاريخية الفرنسية المعاصرة قراءة في تمثلات المغرب في مجلة Les Collections de L’Histoire (يناير–مارس 2026)

المغرب في الكتابة التاريخية الفرنسية المعاصرة قراءة في تمثلات المغرب في مجلة Les Collections de L’Histoire (يناير–مارس 2026)

مقدمة

تحظى الكتابة التاريخية الفرنسية حول شمال إفريقيا بمكانة مركزية في تشكيل التمثلات الأكاديمية والسياسية للمنطقة، نظرًا لتراكمها الكمي والنوعي منذ القرن التاسع عشر. ويكتسي تناول المغرب داخل هذه الكتابة أهمية خاصة، باعتباره مجالًا تاريخيًا يتميّز بخصوصية مساره السياسي والثقافي مقارنة ببقية بلدان المغرب الكبير.
في هذا السياق، يقدّم عدد يناير–مارس 2026 من مجلة Les Collections de L’Histoire معالجة تركيبية للتاريخ المغاربي والمتوسطي، يَرِد ضمنها المغرب بوصفه فاعلًا تاريخيًا ذا بنية خاصة. ويهدف هذا المقال إلى تحليل تمثلات المغرب في هذا العدد، من خلال مقاربة أكاديمية نقدية تبرز الخلفيات النظرية والاختيارات التأويلية التي اعتمدتها المجلة.

أولًا: المغرب كوحدة تاريخية ذات خصوصية داخل المغرب الكبير

تتعامل المجلة مع المغرب باعتباره وحدة تاريخية متميزة داخل الفضاء المغاربي، تشكّلت عبر تفاعل طويل بين المعطى الجغرافي (المحيط الأطلسي، البحر المتوسط، الصحراء) والبنيات الاجتماعية المحلية. ولا يُقدَّم المغرب كامتداد للشرق الإسلامي أو كفضاء تابع للمركز المتوسطي الأوروبي، بل كمجال تاريخي أنتج دينامياته الخاصة في التنظيم السياسي والاجتماعي.

ويبرز هذا التمثّل في التأكيد على استقلالية المسار المغربي مقارنة بجيرانه، سواء من حيث تشكّل السلطة أو من حيث استمرارية الدولة، وهو ما يعكس تحوّلًا نسبيًا في الكتابة الفرنسية الحديثة التي باتت تميل إلى تجاوز المقاربات التبسيطية.

ثانيًا: الأمازيغية كبنية مؤسسة للتاريخ المغربي

من العناصر اللافتة في معالجة المجلة حضور الأمازيغية بوصفها عنصرًا بنيويًا في التاريخ المغربي، لا مجرد مكوّن ثقافي هامشي. إذ يُبرز العدد دور القبائل والكونفدراليات الأمازيغية في: تنظيم المجال، وإنتاج السلطة، ومقاومة الهيمنة الخارجية.

وتُستحضر التجارب السياسية الكبرى (الدول المرابطية والموحدية) بوصفها نماذج تاريخية نابعة من عمق اجتماعي وثقافي أمازيغي، أسهم في بناء إمبراطوريات ذات امتداد متوسطي وإفريقي. ويعكس هذا الطرح تقاطع المجلة مع أطروحات حديثة في التاريخ الاجتماعي والسياسي للمغرب.

ثالثًا: الإسلام والتكيّف مع البنيات المحلية

تُقدّم المجلة انتشار الإسلام في المغرب ضمن منطق التفاعل لا القطيعة، حيث تبرز قدرة المجتمع المحلي على استيعاب الدين الجديد وإعادة صياغته وفق بنياته الثقافية والاجتماعية.
ويظهر المغرب كنموذج لإسلام،  مرتبط بالزوايا والطرق الصوفية، وقائم على الوساطة الاجتماعية، ومنفتح على الأعراف المحلية.

هذا التناول يتجاوز الرؤية الاختزالية التي تربط الإسلام في شمال إفريقيا بالفتح العسكري فقط، ويُبرز الأبعاد الثقافية والاجتماعية لانتشاره واستمراره.

رابعًا: المغرب وعمقه الإفريقي

يُدرج المغرب في المجلة ضمن دينامية إفريقية واسعة، حيث تؤكد على دوره التاريخي في الربط بين شمال القارة وجنوبها عبر، الطرق التجارية الصحراوية، وشبكات العلماء والمتصوفة، والتبادلات الاقتصادية والرمزية.

ويتمّ تقديم المغرب باعتباره فاعلًا إفريقيًا تاريخيًا، لا مجرد بلد متوسطي، مع إبراز أدوار مناطق مثل سوس في هذه الشبكات العابرة للصحراء. ويكتسي هذا الطرح أهمية خاصة في سياق إعادة الاعتبار للبعد الإفريقي في الهوية المغربية.

خامسًا: السلطة والدولة في التجربة المغربية

تولي المجلة اهتمامًا خاصًا لخصوصية الدولة المغربية، مركّزة على العلاقة المعقّدة بين السلطة المركزية والقبائل. ويُبرز المغرب كنموذج تاريخي للدولة المرِنة، التي اعتمدت التفاوض والتوازن بدل القطيعة أو الإخضاع التام.

ويُقدَّم هذا النموذج بوصفه تفسيرًا لاستمرارية الدولة المغربية عبر القرون، مقارنة بتجارب مغاربية أخرى عرفت انقطاعات حادّة في بنياتها السياسية.

سادسًا: المغرب في السياق الاستعماري وما بعده

ضمن المقاربة المقارنة لتجارب الاستعمار بشمال إفريقيا، يُبرز المغرب بخصوصية نظام الحماية، واستمرار المؤسسة السلطانية، وتعدد أشكال المقاومة.
وتعتبر المجلة أن هذه الخصوصيات أسهمت في رسم مسار مغاير لبناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، مقارنة بالمسارات الثورية أو الانقلابية في بلدان أخرى.

خلاصة

تُقدّم مجلة Les Collections de L’Histoire في عددها يناير–مارس 2026 تمثّلًا مركّبًا للمغرب، يبرز استمرارية بنياته التاريخية، وعمق جذوره الأمازيغية، وتعدّد أبعاده المتوسطية والإفريقية.

ورغم أن المقاربة تظل جزءًا من تقليد الكتابة التاريخية الفرنسية، فإنها تعكس تطورًا ملحوظًا نحو قراءة أكثر توازنًا، تُقرّ بخصوصية التجربة المغربية وتبتعد نسبيًا عن النزعة التمركزية الأوروبية.

ويمثّل هذا التناول مادة علمية مهمّة للباحثين في تاريخ المغرب، كما يفتح أفقًا لنقاش نقدي حول حدود الكتابة الغربية المعاصرة وإمكانات تفاعلها مع الإنتاج historiographique المغربي والأمازيغي.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى