
المختص الاجتماعي بالمؤسسات التعليمية العمومية بالمغرب بين اختلالات بنيوية ومحاولات إصلاح واعدة في إعداديات الريادة
- ذ. المهدي الحراق *//
تواجه المدرسة العمومية المغربية، في سياق تحولات اجتماعية متسارعة، تحديات متزايدة تتجاوز البعد البيداغوجي الصرف لتشمل أبعاداً نفسية واجتماعية معقدة. وفي قلب هذه التحديات، يتموقع المختص الاجتماعي كفاعل مهني يفترض أن يضطلع بدور محوري في مواكبة المتعلمات والمتعلمين، غير أن واقعه المهني ظل، لسنوات، محكوماً باختلالات بنيوية حدّت من فعاليته وأفرغت وظيفته من جوهرها .
حضور شكلي وأدوار مُجهَضة
نظريا، تتأسس مهام المختص الاجتماعي المدرسي على أٍبع مجالات كبرى: الدعم والمواكبة النفسية الاجتماعية، الإسهام في الإدماج الاجتماعي وتكافؤ الفرص، الوساطة مع الأسرة والمحيط، ثم التتبع والمواكبة، وهي مهام تجعل منه فاعلاً وقائيا، ووسيطا اجتماعيا، ومواكبا علاجيا في آن واحد، غير أن الممارسة الميدانية أفرزت واقعا مغايرا، حيث غالبا ما يُحصر دوره في التدخل بعد تفاقم الأزمات، في ظل ضعف أدوات التشخيص العلمي، وغياب شبكات الرصد المبكر، وضغط كثافة الحالات مقابل محدودية الموارد ووسائل العمل .
أما على مستوى الإدماج الاجتماعي، فقد ظل تكافؤ الفرص شعارا أكثر منه ممارسة فعلية، نتيجة غياب خطط دعم فردية مبنية على تشخيص دقيق، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وتكليف المختص الاجتماعي بمهام إدارية لسد الخصاص، ما يفرغه من جوهر عمله ويضاف إلى ذلك ضعف الاعتراف المؤسسي بدور الوساطة الاجتماعية، حيث تظل العلاقة مع الأسرة غالبا شكلية، ولا تُفَعّل إلا في الحالات السلبية، في غياب شبكات شراكة فعالة مع المحيط الخارجي .
تقارير بلا أثر وقرار بلا معطيات
رغم إنجاز المختصين الاجتماعيين لتقارير ومعطيات حول الوضعية الاجتماعية للمؤسسات التعليمية، فإن هذه الوثائق تُعد في الغالب لأغراض إدارية محضة، دون أن تُستثمر في التخطيط المدرسي أو في اتخاذ القرار التربوي، ويُكرس هذا الوضع غياب ثقافة التقييم الاجتماعي، وعدم إشراك المختص الاجتماعي بشكل فعلي في المجالس التقريرية، ما يعمّق الفجوة بين المعطى الاجتماعي والقرار التربوي .
إعداديات الريادة: محاولة للانتقال نحو الوقاية ومأسسة أدوار المختص الاجتماعي
في هذا السياق والواقع المأزوم، تبرز تجربة إعداديات الريادة باعتبارها محاولة لإعادة تموقع المختص الاجتماعي داخل المشروع التربوي، من خلال الانتقال من منطق التدخل بعد الأزمة إلى منطق الرصد المبكر والوقاية النفسية الاجتماعية، وقد تم تأطير هذا التوجه عبر مذكرة تنظيمية خاصة بالمواكبة النفسية الاجتماعية، جعلت من خلية اليقظة وورشات المهارات النفسية الاجتماعية آليتين مركزيتين في عمل المختص الاجتماعي .
خلية اليقظة
تشكل خلية اليقظة، في نموذج إعداديات الريادة، إطارا مؤسساتيا للرصد الاستباقي للمؤشرات النفسية الاجتماعية، كصعوبات التكيف والهشاشة الاجتماعية ومظاهر العنف أو الهدر المدرسي ويضطلع المختص الاجتماعي بدور الخبير الاجتماعي داخل هذه الخلية، من خلال تجميع المعطيات وتحليلها واقتراح تدخلات وقائية، بما يحولها من بنية شكلية إلى أداة تشخيص وتدخل مبكر.
ورشات المهارات النفسية الاجتماعية: الوقاية و الرصد
تُعد ورشات المهارات النفسية الاجتماعية من بين المستجدات النوعية في هذا النموذج، إذ لا تقتصر على تنمية مهارات التواصل وضبط الانفعالات وبناء الثقة بالنفس، بل تؤدي وظيفة مزدوجة: وظيفة تربوية وقائية، ووظيفة تشخيصية غير مباشرة للرصد، فمن خلال التفاعل داخل هذه الورشات، يتمكن المختص الاجتماعي من رصد ديناميات الجماعة واكتشاف مؤشرات الهشاشة في مراحلها الأولى، ما يجعلها آلية فعالة للرصد والوقاية في آن واحد .
نقاط الارتكاز الجهوية: تأطير مهني ودعم مؤسساتي
ضمن هذا المسار الإصلاحي، يبرز إحداث نقاط الارتكاز الجهوية للمختصين الاجتماعيين كخطوة ذات دلالة مهنية وتنظيمية، فهذه الآلية، المؤطرة بمراسلة وزارية خاصة، تهدف إلى مواكبة المختصين الاجتماعيين، وتوحيد الممارسات، وتنسيق التدخلات، ونقل الخبرات بين المستويات الجهوية والمحلية، وتشكل نقاط الارتكاز حلقة وصل بين التوجيه المركزي والممارسة الميدانية، بما يعزز مهنية المختص الاجتماعي ويدعم تنزيل المواكبة النفسية الاجتماعية داخل إعداديات الريادة .
أفق الإصلاح
إن تجربة إعداديات الريادة تمثل محاولة إصلاح واعدة في مسار إدماج البعد النفسي الاجتماعي داخل الفعل التربوي، فهي تعيد الاعتبار للدور الوقائي للمختص الاجتماعي، وتؤكد على أهميته كفاعل محوري في مواكبة المتعلمين، لا سيما في ظل تعقّد الإشكالات الاجتماعية والنفسية داخل المدرسة العمومية.
غير أن ترسيخ هذه التجربة كخيار إصلاحي مستدام يظل رهيناً بتجاوز الإكراهات البنيوية القائمة، عبر إعادة تعريف الدور المهني للمختص الاجتماعي قانونيا وتنظيميا، وتمكينه من أدوات التشخيص والتدخل، وإدماجه الفعلي في القرار التربوي، مع تعزيز دور نقاط الارتكاز الجهوية كرافعة للتأطير والمواكبة، عندها فقط يمكن الانتقال من حضور شكلي للمختص الاجتماعي إلى حضور وظيفي فاعل، ومن تدبير الأزمات إلى بناء مدرسة وقائية دامجة ومنصفة.
* مختص اجتماعي بالاكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الدرار البيضاء سطات
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


