الرأيالمغرب اليوم

الدبلوماسية الإعلامية المغربية: قوة ناعمة بصوت الوطن

    • حسن كرياط_ المغرب//

نسعى من خلال هذه الورقة البحثية إلى تقديم رؤية تحليلية موسّعة لمفهوم الدبلوماسية في ضوء التحولات الدولية المعاصرة، استناداً إلى مضامين كتاب تاريخ الدبلوماسية لجيريمي بلاك، مع تركيز خاص على التجربة المغربية في توظيف الإعلام كقوة ناعمة للدفاع عن قضاياه الكبرى. فالدبلوماسية كما يبرزها بلاك ليست مجرد مراسلات رسمية أو سفارات دائمة، بل هي فعل إنساني متواصل، تنسج من خلاله الدول جسورها مع العالم، وتعيد تشكيل حضورها وروايتها ومكانتها ضمن توازنات دولية متغيرة.

لقد تحوّل الإعلام اليوم إلى شريك رئيسي في العمل الدبلوماسي، بعد أن كانت العلاقات بين الدول حكراً على القنوات السياسية التقليدية. فأصبح التأثير في الرأي العام الدولي، وصناعة الصورة الذهنية للدول، جزءاً لا يتجزأ من معركة المكانة والسيادة. وهذا ما استوعبه المغرب بذكاء استراتيجي، حينما بادر إلى توظيف الدبلوماسية الإعلامية باعتبارها واجهة متقدمة للدفاع عن مصالحه الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تمثل جوهر الوحدة الترابية للمملكة.

إن التجربة المغربية في هذا المجال تبرز تفاعلاً خلاقاً بين الدبلوماسية الرسمية من جهة، والإعلام الوطني والديبلوماسية الشعبية من جهة أخرى. فوسائل الإعلام العمومية والخصوصية، ومنصات التواصل الاجتماعي، وصوت الجاليات بالخارج، كلها أصبحت أذرعاً مؤثرة تُسهم في كشف الحملات الدعائية المعادية، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وصياغة خطاب مقنع للرأي العام الدولي. وهكذا لم يعد الإعلام ناقلاً للأخبار فقط، بل تحول إلى أداة لإقناع الآخر، وبناء شبكات تعاطف وتحالف، وصياغة رواية مضادة قادرة على كسب معركة الشرعية.

وعلى خطى التجارب الغربية التي اعتمدت على الإعلام في خدمة أجنداتها الجيوسياسية، نجح المغرب في استلهام الأدوات الناعمة دون أن يفقد خصوصية مقاربته، إذ حافظ على خطاب قائم على الشراكة والاحترام المتبادل عوض الهيمنة أو الإملاء. فالمغرب يحاور، ويشرح، ويُقنع، وينفتح على إفريقيا وأوروبا والعالم العربي بوصفه جسراً للحضارات لا طرفاً في صراع النفوذ. وهذه الصورة الإيجابية، حين يتم ترويجها إعلامياً، تتحول إلى رصيد سياسي ودبلوماسي يعزز الحضور المغربي في كبريات المنتظمات والفضاءات الدولية.

ومع ذلك، فإن معركة الإعلام الدولية تفرض اليوم تحديات أكثر تعقيداً؛ فالروايات تنتشر بسرعة، والمعلومات المضللة تتكاثر، ومنصات التأثير تتغير باستمرار. ما يستوجب تطوير قدرات الدبلوماسية الإعلامية المغربية، عبر توسيع الحضور في الإعلام الأجنبي المؤثر، وتأهيل الصحفيين والناطقين باسم المؤسسات، ودعم المحتوى الرقمي الموجَّه للجمهور الدولي بلغات متعددة، إلى جانب الاستثمار في مراكز التفكير والدراسات التي تنتج المعرفة والحجة وتدعم القرار السياسي.

إن ما يكشفه كتاب تاريخ الدبلوماسية، وتؤكده التجربة المغربية، هو أن معركة الدول اليوم لا تُحسم فقط في قاعات المفاوضات، بل أيضاً في ساحة الإعلام المفتوحة على العالم. فالصوت الذي يصل إلى الشعوب، والصورة التي تُختزن في الذاكرة الجماعية، هما جزء من السيادة الوطنية بقدر ما هما جزء من صناعة المستقبل.

ومن هذا المنطلق، تنبثق الدبلوماسية الإعلامية المغربية كجبهة دفاع متقدمة، تحمل رسالة الوطن بشرف، وتُسهم في تحصين حقائقه التاريخية، وترسيخ مكانته الإقليمية والدولية، وتأكيد أن المغرب دولةٌ ذات رواية حضارية وشرعية تاريخية لا يمكن تجاهلها. إنها دبلوماسية الشعب والدولة معاً، حيث يصبح الإعلام صوتاً للوطن، ومجاله الطبيعي لانتزاع الاعتراف، وترسيخ الحق، وصناعة التأثير.

إنها دعوة إلى كل من يهمه الأمر الاستثمار في هذا المجال الحاسم، لأن الدفاع عن الوطن لم يعد مجرد واجب سياسي، بل أصبح أيضاً معركة سرديات… ومن يمتلك القدرة على رواية قصته، يمتلك القدرة على صناعة قدره.

          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى