
الذكاء المائي… الثورة الهادئة التي تعيد رسم مستقبل المغرب المائي
- بقلم: حسن كرياط//
مع اشتداد ندرة المياه وتوالِي سنوات الجفاف، بات المغرب يعيش لحظة مفصلية تُحتّم عليه الانتقال من إدارة تقليدية للموارد المائية إلى نموذج أكثر ذكاءً وابتكارًا. لم يعد الماء مجرد مورد طبيعي محدود، بل أصبح معطى استراتيجيًّا يحتاج إلى أدوات رقمية متقدمة وتحليل دقيق للبيانات، لضمان الأمن المائي والغذائي والصناعي في زمن التحولات المناخية. وهنا يبرز “الذكاء المائي” كأحد أكثر المفاهيم ثورية في مجال تدبير المياه، بوصفه توظيفًا واسعًا لإنترنت الأشياء، والاستشعار عن بُعد، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة المراقبة المتقدمة، لتحديث طريقة فهمنا وتدبيرنا لكل قطرة ماء.
المغرب، الذي تراجع فيه نصيب الفرد من المياه إلى مستويات حرجة لا تتجاوز 565 مترًا مكعبًا سنويًّا، وجد نفسه أمام تحدٍّ يتجاوز حدود الهندسة والهيدرولوجيا ليمسّ صميم الأمن القومي. ورغم امتلاكه بنية مائية كبيرة تضم أكثر من مئة سد، ومساحات مروية تتجاوز 1.4 مليون هكتار، فإن هذه المنشآت تواجه ضغوطًا غير مسبوقة بسبب تقلبات المناخ وتزايد الطلب. لذلك لجأ المغرب إلى الاستثمار بكثافة في التحلية، خصوصًا في أكادير والجرف الأصفر، مع توجه واضح لربط هذه المشاريع بالطاقة المتجددة لتخفيض تكاليف التشغيل وجعل الماء المحلى خيارًا قابلًا للاستمرار.
لكن البنية الصلبة وحدها لا تكفي. فمستقبل الماء يتحدد اليوم بالقدرة على إدارة البيانات. شبكات القياس الذكية، حساسات الضغط والجودة، أنظمة المراقبة SCADA، والمسح بالأقمار الصناعية، كلها أدوات تمنح المُدبّر رؤية لحظية ودقيقة لحركة المياه، من السدود إلى حقول الري، ومن محطات الضخ إلى المنازل. ولعلّ القيمة الأكبر لهذه التقنيات تكمن في قدرتها على تقليص الفاقد، إذ إن نسبة المياه غير المحصّلة تبقى أحد أكبر مكامن الهدر التي يمكن أن يكشف الذكاء المائي خريطتها ويضع حدًا لنزيفها.
وفي الزراعة، التي تستهلك أغلب مياه البلاد، يمنح الذكاء المائي بعدًا جديدًا للريّ. فالحساسات الأرضية ونماذج الطقس والري بالتنقيط الذكي تسمح بتنظيم السقي وفق الاحتياجات الحقيقية للنبات، ما يرفع الإنتاجية ويقلل المتر المكعب المستعمل لكل هكتار. أما المدن والصناعة، فتستفيد بدورها من هذه الثورة الرقمية عبر تحسين جودة الخدمة، وتقليل الانقطاعات، وضمان تزويد مستقر للقطاعات الحساسة كالصناعات الكيماوية والغذائية.
ورغم أهمية المشاريع الكبرى كبرنامج تزويد الماء الصالح للشرب والري 2027، أو خطط التحلية الممتدة إلى 2050، فإن التحول الحقيقي يحتاج إلى تنسيق مؤسسي محكم بين الفلاحة والماء والطاقة، وإلى تأمين مستمر للبنية الرقمية، وإلى قدرات إدارية قادرة على التعامل مع الكمّ الهائل من البيانات. كما يحتاج المغرب إلى حماية سيبرانية متقدمة لصد أي تهديد لأنظمة القياس والتحكم، وإلى سياسات ذكية تجعل الماء المحلى جزءًا من مزيج استراتيجي لا يثقل كاهل المزارعين ولا يرفع كلفة الإنتاج.
وصفوة القول ، ان الذكاء المائي ليس مجرد ترف تقني أو صيحة جديدة في عالم البيئة، بل هو خيار استراتيجي يهيئ المغرب لعبور مرحلة الندرة بأقل الخسائر. إنه رؤية شاملة تدمج بين السدود والتحلية والطاقات المتجددة والشبكات الذكية، لتصنع منظومة مائية أكثر صمودًا وقدرة على مواجهة المستقبل.
وإذا استمر المغرب في هذا المسار، مع استثمار قوي في الرقمنة وبناء القدرات وتوسيع الشراكات الدولية، فإنه لن يؤمّن فقط ماء الشرب والري، بل سيعزز نموه الاقتصادي، يحمي فلاحيه وصناعاته، ويخلق فرصًا جديدة في واحدة من أكثر المجالات حيوية في القرن الحادي والعشرين.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



