المجتمع

في أربعينية المرحوم حسن الغماز…دروس وعبر

 وداعا صديقي حسن…

رحل عنا صديقنا حسن الغماز، أستاذ الرياضيات سابقا بثانوية يوسف بن تاشفين، وغيبه الموت منذ قرابة شهر، لم يمهله المرض اللعين وقتا كافيا لترتيب ما بعثرته السنون ولا الاعتناء بالذات وتحقيق بضع أحلام مؤجلة: سي حسن كان يحلم بالراحة والسفر والاعتناء بحديقة منزله لا أقل ولا أكثر، إنها أحلامه الصغيرة والبسيطة.

فلماذا لم تمهله أيها الموت العنيد؟ لماذا هذا الإصرار السادي على معاكسة أحلام الناس؟ وكيف لك أن تتلذذ بالسطو على حياتنا؟ 

من بين الأماني التي كان يرددها المرحوم على مسامعي باستمرار هي التخلص من العمل، إذ لم يعد يتحمل قيود العمل وتكرار ذاته، وكان مبتغاه هو التمتع بوقته كما يشاء، وهو ما تحقق له إثر حصوله على التقاعد النسبي العام 2019.

كان الرجل تواقا إلى السفر بعيدا خارج البلد، استجابة لعشقه الدفين للمغامرة والاكتشاف وتوقه اللامحدود للحرية.

إلا أن المرض باغته قبل سنوات ثلاث وعطل كل مشاريعه.

ومع ذلك ظل الرجل مصرا على تحقيق طموحه حيث أكد لي مرارا أنه ما زال متشبثا بحلمه، خصوصا بعد تحسن حالته الصحية إثر العملية الجراحية التي أجراها سنة 2020.

كنت ألتقي به لاحتساء كأس القهوة ولتقاسم بعض الأفكار والكثير من اقتراحات السفر.

القهوة هي المشروب المفضل عنده، فالمرحوم كان مدمنا على التلذذ بنكهتها الباذخة.

سي حسن والقهوة قصة عشق طويلة لا يسع الحيز لسرد تفاصيلها.

ما زلت أتذكر أنه خلال تلك الفترة، كنت ألح عليك بالعودة إلى مجالسة الأصدقاء الذين كانوا يسألون عنك باستمرار ويتمنون حضورك معهم. كان جوابك بصوتك الهادئ: تمنيت ذلك ووددت لو عدت لمجالستكم والاستمتاع بنقاشاتكم وضحكاتكم الباذخة، لكني لا أستطيع، فجرعات الدواء التي وصفها لي الأطباء مساء تتسبب لي في الكثير من الوهن.

اقترحت عليك أيضا السفر معا نحو إحدى الوجهات الأوروبية، وكان جوابك فيه الكثير من الحماس مشترطا تحسن وضعك الصحي. لكن الموت عصف بكل شيء وبعثر حساب الاحتمالات …. 

سي حسن، ستظل معنا دوما في جلساتنا التي كنت تصر أيما إصرار على حضورها، وستظل ابتسامتك البهية عنوان انشراحك وعنفوانك.

كما ستظل حركة يديك وصوتك الكتوم وعباراتك الشهيرة ” نكونو موضوعيين” و” نقولك أنا…” يتردد صداها في ذاكرة كل معارفك وأصدقائك.

كان صديقنا حسن دوما هادئا وكتوما… طابعك المسالم ونزوعك إلى الانصات وحل التوترات بالتي هي أحسن… صنعوا منك إنسانا راقيا، ودودا ومحترما. وهو ما جعل أصدقاءك وأعداءك- إن كان لك أعداء- يكنون لك جميل التقدير.

سلام عليك صديقنا حسن وأنت في عتمة قبرك، سلام إلى روحك النقية، أنت الآن وحدك في صمتك البهي بعيد عن ضجيج الدنيا وزحامها وإغراءاتها وتفاهاتها.

ستظل في ذاكرتنا وفي قلبنا إلى الأبد. ونطلب منك المعذرة إن نحن أسأنا إليك يوما ما في معمعة الحياة وفي غفلة منا.

عفوا سي حسن، نسيت أنك في قبرك هناك لم يعد بمقدورك الكلام أو العتاب أو الامتنان وأنت ترقد في نومك الأبدي.

لماذا تجرأت أيها الموت فخطفت منا أطيب الناس؟ لماذا انت هكذا أيها الموت؟ 

  • المكي بوسراو 
          

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى