إيحاحان والصورة النمطية المغلوطة
- الطيب أمكرود
ورث المغاربة عن فترة من تاريخهم صراع القبائل، ومن بين أوجه الصراع التنقيص من الخصم/ العدو بمختلف الأساليب وفي صلبها الإشاعة
ولأنني ورثت عن أبي الصدق وجبلت عليه
ولأنني لا أرى إنكار الأصل واللغة والهوية إلا نقصا في المقدم عليها،بل انفصاما يسعى صاحبه لإرضاء الآخر ولو بإنكار ذاته، لأن حب الأرض خصلة إنسانية جميلة تعلمتها منذ الطفولة المبكرة، فأحببت مسقط رأسي أي دوار أهلي، ثم منطقتي إداوخلف، ثم قبيلتي إنكنافن، ثم منطقتي إيحاحان، وصولا إلى حضن أكبر يضمنا جميعا اسمه المغرب، ووعيت تدريجيا وأنا أكبر بكل تلك الحدود والتفاصيل، فلن أقبل أن يساء إلى المغرب من خارجه، ولن أقبل أن يساء لأي من تفاصيل الأرض التي أحبها من قبل أي كان.
لذلك وجدتني وأنا أنفتح على رحلة الحياة صريحا صادقا تلقائيا عفويا، وكلما سئلت عن بلدتي وأهلي أجبت بكل تلقائية إيحاحان وجدت بين الناس من عرفوا إيحاحان وخبروهم فاسترسلوا معي في معرفة القيبلة والخمس والدوار، بل إن منهم من عرف أهلي ودخل يتنا الكبير في فترة من الفترات مستضافا من قبل جدي أو والدي.
ومنهم، وهم قلة، من يكون رد فعله عبارة من العبارات المعهودة: أعوذ بالله، وتاتقولها بلا ما تحشم، حاحة خاخة لا رجل تقي ولا فرج نقي، يبحان من شلح حاحا وعرب دكالة…
في بعض مرافعاتي الشعبية عن الأمازيغية في كل تمظهراتها يرد البعض بكون حاحة ماشي شلوح، كلما سألت عن الدليل العلمي يكون الرد العبارة المعروفة ” سبحان من شلح حاحة وعرب دكالة” والتي لم أعثر بعد على قائلها، وبالتالي حسب نفس المنطق لا يحق لهم أن يترافعوا عن الأمازيغية.
سئلت ذات يوم من قبل أحدهم عن منطقتي فأجبت إيحاحان فكان منه الرد أعوذ بالله، سألته بكل هدوء عن السبب الذي جعله يستعيذ بالله من سماع مصطلح إيحاحان، فاكتشفت أنه ضحية للإشاعة التي ألصقت بساكنة أزيد من 200 كيلومترا على طول الشاطئ الأطلسي بين أكادير وأوناغة شمال الصويرة، وبين المحيط الأطلسي غربا وإقليمي شيشاوة وتارودانت شرقا.
الإشاعة التي ألصقت بساكنة اثنتي عشرة قبيلة تتوزع على أزيد من ثلاثين جماعة ترابية بينها بلديتان، الإشاعة التي ألصقت بمن صنعوا جزءا غير يسير من تاريخ المغرب القديم والوسيط والحديث، أهل عبد الملك أوبيهي وابنه عبدالله وأنفلوس وأكيلول والحاج عمر نص بلاصة وزحل وعبد السلام ياسين وإدبلقاسم وأكوناض وأيسار والمهدي بن مبارك…
فقط لأن أحداثا تاريخية رجحت الكفة لصالحهم في فترة من فترات التاريخ، وبسطوا نفوذهم على مناطق بأسرها، تروج حولهم الإشاعة إلى اليوم.
تعددت المواقف التي نافحت فيها عن منطقتي وأبناء منطقتي، ببساطة لأنني أرى أن ما يروج عنهم، والذي بلغ عملا أدبيا نشر وسوق(الصورة).
للنص من رواية “بادية الرماد” للكاتب المغربي محمد كروم، ط 1 ص 34.
من تلك المواقف رد أحدهم وأنا أجيب عن سؤاله عن منطقتي بالقول وتاتقولها بلا ما تحشم، سألت الرجل بعد أن أخبرته بكوني آخر من يستنكر لأهله وأصله وكل تفاصيل كينونته، سألته عن سبب قوله، فأخبرني بأن الناس يحكون عنهم كذا وكذا، استرسلت في السؤال عن معرفته بهم، بمناطقهم، بحدود قبائلهم، بزيارته أو تردده على أحدهم، فكان الجواب بكون ما قاله إنما نقله عن الناس.
فصلت له في من هم إيحاحان، مناطقهم، قبائلهم، كرمهم، طيبوبتهم وعفويتهم، وكون ما يتعرضون له من الإشاعة سببه كونهم في فترة من فترات التاريخ كانوا ذوي سلطة على مناطق مختلفة يكنون لهم الحقد إلى اليوم.
إن مواصلة البعض النقر على نفس الوتر يجعل بعض ضعاف النفوس ممن لا يمتلكون سلاحا معرفيا كافيا للمنافحة عن قناعاتهم يخفون أصولهم، ويتقربون للآخر مهما بلغت وضاعته وحقارته، فقط لخوفهم من فقده، وهو ما لا يتحقق مع من تسلحوا بالعلم وبأفضل القناعات، العلم الذي يعتبر من يعمم على الناس الأحكام بدائي التفكير، فالاختلاف سمة بشرية تمتد للتوائم فما بالك بأبناء الدوار والخمس والقبيلة والمنطقة والبلد بأكمله.
وإن القيم الإنسانية النبيلة لا تنقص من المرء بسبب لغته أو أصله أو جنسه أو شكله أو سحنته، ولا ترفعه تبعا لها، ولكن القيمة الحقيقية للإنسان في قيمه وما يقدمه للبشرية من العطاء الفكري.
وإيحاحان من أطيب الناس وأكثرهم عفوية، قدموا للوطن عشرات الأسماء في مختلف المجالات، يزودون خزينة الدولة كل يوم بالملايير من نشاطهم الأول والرئيسي بوصفهم رجالات بحر بامتياز يغطون المنطقة الساحلية الممتدة من الصويرة شمالا إلى حدود الوطن الجنوبية.
ولأن إيحاحان مسقط رأسي والأرض التي منحتني الحياة وعلمتني الكثير، وناسها من تعلمت منهم أفضل القيم والقناعات، أحبها وأنافح عنها كما أنافح عن كل الوطن.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



