الرأيالمجتمع

عيد الأضحى ..والمفارقات الكبرى!

هذا النص سبق أن نشرته على صفحتي يوم 11 يونيو 2024، قبل أيام معدودة من عيد الأضحى في السنة الماضية. وبما أن المناسبة شرط، أعيد نشره بناءً على طلب بعض الأصدقاء.

لكم العيد… ولهم الكبش

“قربان بيرمو” في تركيا، و**“القربان”** في إيران، و**“الحجاج”** في البحرين، و**“الكبير”** في كل من المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وأيضًا في مصر، السودان، سوريا، الأردن، لبنان وفلسطين. كلها أسماء لمناسبة واحدة: عيد الأضحى، حتى وإن لم يكن اليوم نفسه عند جميع المسلمين وفي مختلف البلدان الإسلامية. ويزداد الأمر تعقيدًا بالنسبة للأقليات المسلمة في الدول غير الإسلامية. فالعاشر من ذي الحجة ليس يومًا موحدًا للجميع، بل يخضع لرؤية الهلال وتحديد موقعه، أو لحسابات علم الفلك وحركة النجوم.

وهذه مسألة أخرى يختلط فيها الديني بالعلمي، مع تدخل السياسي عنوة، مما يخرجها من نطاقها الشعائري إلى دائرة المصالح والعلاقات الدولية، الثنائية منها والمتعددة الأطراف، وتوازناتها في العالم الإسلامي.

ورغم كل الاختلافات، يبقى المسلمون، بمذاهبهم وفرقهم، سواء الشيعة بتياراتها المتعددة (الاثنا عشرية، الأصولية، الإخبارية، الشيخية، العلوية، الزيدية، الإسماعيلية)، أو السنة بمذاهبهم الأربعة (المالكية، الحنبلية، الشافعية، الحنفية)، متفقين على أن عيد الأضحى شعيرة دينية تمتد جذورها إلى قصة سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وأن جوهرها التقرب إلى الله من خلال التضحية، والإيثار، والعطاء، والتقاسم، والمشاركة.

وعندما سنَّ الرسول ﷺ هذه الشعيرة، لم يفته أن الفقر والحاجة معطيان ثابتان في حياة البشر، حاضرًا ومستقبلًا. ولهذا، كان النبي ﷺ يضحي بكبشين، أحدهما عنه، والثاني عن أمته إلى يوم الدين.

بهذه البساطة، وبهذا الوضوح، تم تأطير هذه الشعيرة كسنة نبوية ثابتة منذ إقرارها وانتشارها بين عامة المسلمين وخاصتهم.

النقاش المتكرر كل عام

مع اقتراب عيد الأضحى، تنشط النقاشات في المقاهي، والإدارات، والمقاولات، والشارع، وحتى على شبكات التواصل الاجتماعي. يتمحور الجدل حول جوانب اجتماعية متكررة: الاستدانة من أجل شراء الأضحية، المطالبة بتقديم الأجور، بيع بعض التجهيزات المنزلية، التباهي بحجم الكبش وسلالته (الصردي، تمحضيت، البركي، أغنام أبي الجعد، بني كيل “الدغمة”)، بالإضافة إلى الظروف غير الصحية للذبح في الشقق، حيث يتفق الجميع على أن طبيعة السكن الحديث لم تعد تسمح بممارسة هذه الشعيرة داخل المنازل، في غياب بدائل محترمة للمعايير الصحية. ومع ذلك، يكتفي البعض بالتبرير المعتاد: “لي عطا الله هو هذا”!

لكن، في مجتمع متحضر في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مقبولًا الاستمرار بهذه العادات دون البحث عن حلول أكثر تنظيماً واحترامًا للصحة العامة.

ازدواجية الخطاب والممارسة

المثير للانتباه هو التحول الذي يطرأ على مواقف الأفراد بين النقاشات الخاصة والممارسات الفعلية. نجد نفس الأشخاص الذين ينتقدون هذه العادات في المكاتب والمقاهي، يخضعون لها عند عودتهم إلى المجتمع، وكأنهم أشخاص آخرون، مسيَّرون بالعادات الاجتماعية الموروثة أكثر من كونهم متمسكين بجوهر الشعيرة الدينية.

إن هذه الفجوة بين ما نقوله وما نفعله ليست مقتصرة على عيد الأضحى، بل تمتد إلى مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية. وهي حالة يصفها علماء النفس بـ**“الفصام” (Schizophrénie)** عندما تتعلق بالفرد، لكن عندما تصبح نمطًا سلوكيًا مجتمعياً، فالأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد تحليل وأكثر من هذا المقال بكثير!

المفارقة الكبرى

“كنا سبعة أشخاص في نقاش هادئ حول الجماعات المحلية وعمل البلديات ومجالس الجهات، وكان كل واحد يدلي برأيه، مع العلم أننا جميعًا أطر نمارس في الإدارة العمومية أو المهن الحرة.

وعندما احتدّ الانتقاد واشتد الغضب على المسؤولين، تساءل أحدنا بمكر: من منكم صوّت في الانتخابات الأخيرة؟ فكانت المفاجأة: خمسة غير مسجلين في اللوائح الانتخابية، واحد صوّت، والآخر لم يفعل!”

يدرك المختصون أنه كلما زادت الفجوة بين الخطاب والممارسة في المجتمع، تعطَّل قطار التنمية، وبرزت ظواهر اجتماعية تؤثر سلبًا على القيم.

لكن، في حالة “العيد الكبير”، يبدو أن الوضع يريح العديد من القوى، سواء الظاهرة أو الخفية، التي تجد مصلحة في استمرار هذا الارتباك والغموض.

قد يكون مفهوماً -إلى أن يثبت العكس- أن المصلحة الاقتصادية تقتضي ضخ 14 مليار درهم في البادية المغربية بهذه المناسبة، للحد من الهجرة الداخلية.

لكن، ما لا يمكن فهمه هو سكوت قادة الرأي والمثقفين والجمعيات المدنية والدعاة في المساجد والإعلام العمومي والخاص عن مناقشة الموضوع بجدية، والاكتفاء بالكلام العام عن أن “العيد شرع لمن استطاع إليه سبيلا”.

مصارحة ضرورية

لا بد من توضيح الأمور ورفع الحرج علناً، والقول بصوت عالٍ:
• العاطل لا أضحية له.
• الأجير البسيط لا كبش له.
• الموظف المستدين لا “حولي” عليه.
• المياوم لا (جدي )في عنقه.
• الأرملة، واليتيم، والمحتاج قد ضحّى عنهم رسول الله ﷺ.
. وعند الأزمة لا أضحية علينا جميعا .

كما أن الذبح في الشقق، وبأدوات غير صحية، ومن طرف أي كان، يشكل خطرًا صحيًا آنياً ومستقبليًا على الأفراد والمجتمع.

لقد آن الأوان للتوقف عن الاختباء وراء المجتمع والتذرع بأنه “عايز كده”!

فالمجتمع هو أنا وأنت والآخر.

لا تتركوا الفرصة لمن يستفيدون من خلط الأوراق، وتشجيع ممارسات اجتماعية تحولت إلى عادات وتقاليد وخرافات، لا علاقة لها لا بصفاء العقيدة، ولا بيسر الدين.

وعيدكم مبارك سعيد… عبد الرفيع حمضي

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى