الرأيالمجتمع

سموم الكلمات: تهديد شامل يفتك بنسيج مجتمعاتنا من الفرد إلى الوطن.. تحذير من الانزلاق في مستنقع الشائعات الذي يمس حتى سمعة الوطن

  • حفيظ موساوي //

لم يعد خافيًا على أحد التنامي المقلق لظاهرة تشويه السمعة في عالمنا المعاصر. ففي عصر الانفتاح الإعلامي الرقمي، حيث تتدفق المعلومات بسرعة فائقة، باتت “سموم الكلمات” تنتشر كالنار في الهشيم، لتنخر في ثقة الأفراد ببعضهم البعض وتهدد التماسك الداخلي للمجتمع بأسره، بدءًا من أصغر وحدة فيه وصولًا إلى الوطن بأكمله.

إن هذا الفعل المشين، الذي يتجلى في بث الأكاذيب والشائعات المغرضة، وتضخيم الهفوات والأخطاء، والتحريض على الكراهية والعنصرية، وإلصاق نعوت ذميمة بالآخرين، لم يعد مجرد سلوك فردي معزول، بل تحول إلى وباء يستنزف طاقة المجتمع ويقوض أسسه المتينة على كافة الأصعدة.

إن انتشار “سموم الكلمات” لا يقتصر على الفضاءات العامة ووسائل الإعلام الصاخبة، بل يتخذ أشكالًا أكثر خفاءً وتأثيرًا في صميم تفاعلاتنا اليومية. فبينما تجتاحنا عواصف التشهير عبر المنصات الرقمية، تتسرب همسات السر في المجالس الخاصة وبين الأفراد. هذه الأحاديث الجانبية، التي قد تبدأ بنية فضول بريء أو مجرد “نقل كلام”، سرعان ما تتحول إلى بؤر لتوليد الشائعات المغرضة وتضخيمها، لتطال الأفراد في سمعتهم وشرفهم.

هذه “الاشاعات السرية” تتسع لتشمل المجموعات الصغيرة، كالأسر والعائلات، حيث يمكن أن تؤدي إلى تفكك الروابط ونشوء العداوات. وتمتد لتصل إلى القبائل والمجتمعات المحلية، حيث يمكن أن تثير النعرات وتعمق الانقسامات. بل إن “سموم الكلمات” لا تتوقف عند هذا الحد، فهي تستهدف أيضًا الوطن بأكمله، من خلال نشر أخبار كاذبة تهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتقويض الوحدة الوطنية، وتشويه صورة البلاد على المستوى الدولي.

تبدأ الحكاية بكلمة عابرة، أو تلميح مبهم، أو قصة غير مؤكدة تُروى بصوت خفيض بين شخصين أو ثلاثة. هذه “الاشاعات السرية” غالبًا ما تفتقر إلى أي أساس من الصحة، لكن طبيعتها الهمسية والغامضة تمنحها جاذبية خاصة وتثير فضول المستمعين. ومع كل عملية نقل، تتشوه الحقيقة أكثر فأكثر، وتضاف إليها تفاصيل جديدة أو يتم تأويلها بشكل يخدم أغراضًا خفية أو دوافع شخصية، لتنتشر كالنار في الهشيم بين الأفراد والمجموعات والقبائل.

هذه “الاشاعات السرية” تشكل أرضًا خصبة لازدهار التحريض وتأجيج نار الفتنة على كافة المستويات. فعندما يتم تداول معلومات سلبية عن شخص ما في الخفاء، فإن ذلك يهيئ الأجواء لتقبّل المزيد من الاتهامات والافتراءات ضده في العلن. وبالمثل، فإن نشر الشائعات المغرضة عن مجموعة أو قبيلة ما في السر يمكن أن يؤدي إلى تأجيج الصراعات والضغائن.

وعلى المستوى الوطني، يمكن أن تستغل هذه الهمسات لتشويه رموز الوطن ومؤسساته، مما يقوض الثقة في الدولة ويضعف الانتماء الوطني.

إن تفشي ظاهرة تشويه السمعة، سواء كانت علنية صاخبة أو سرية همسية، يعمل على تفتيت الثقة، وهي اللبنة الأساسية لأي مجتمع سليم، من الفرد الذي يفقد الثقة في محيطه الصغير، إلى الوطن الذي يفقد ثقة مواطنيه ومكانته بين الأمم.

عندما يشعر الأفراد والمجموعات بأنهم عرضة دائمًا للتشهير والافتراء، سواء في العلن أو في الخفاء، فإن ذلك يؤدي حتمًا إلى تراجع الثقة بين الناس، وضعف الروابط الاجتماعية على كافة المستويات، وتآكل سلطة المؤسسات، وزيادة الانقسام والاستقطاب داخل القبائل وداخل الوطن ككل. يصبح المجتمع أقل قدرة على التعاون والتآزر عندما يسود الشك وعدم اليقين بشأن نوايا الآخرين، وتتعطل آليات التنمية والتقدم عندما ينشغل الأفراد والمجموعات والمؤسسات بالدفاع عن سمعتهم ومواجهة الحملات المغرضة التي قد تستهدف حتى استقرار الوطن.

إننا نشاهد بأعيننا كيف ينزلق البعض منا، عن قصد أو عن غير قصد، في مستنقع الشائعات وتشويه السمعة. قد يجد البعض متعة زائفة في تداول الأخبار غير المؤكدة أو الانخراط في أحاديث النميمة والوشاية، دون إدراك للخطر العظيم الذي يحدق بنا جميعًا.

إن هذا الوباء الخفي، وباء “سموم الكلمات”، لا يقتصر ضرره على مكانة الأفراد أو المجموعات أو حتى المجتمع ككل، بل يمتد ليقيس سمعة وطننا العزيز. فلننتبه جيدًا لما يُقال ويُروج، ولنرفض الانجرار وراء الشائعات التي تهدف إلى تزييف الحقائق.

لمواجهة هذا التهديد المتنامي والشامل، يصبح لزامًا علينا جميعًا، أفرادًا ومجموعات وقبائل ومؤسسات ووطنًا، أن نتحمل مسؤوليتنا ونتكاتف لمكافحة هذه الآفة الخطيرة. يجب أن نعزز التربية القيمية والأخلاقية في منازلنا ومدارسنا ومؤسساتنا التعليمية، وأن نفعّل دور المؤسسات الدينية والإعلامية في نشر الوعي بمخاطر تشويه السمعة وأهمية التحلي بالمسؤولية تجاه الكلمة، سواء كانت همسًا في السر أو صراخًا في العلن، وسواء كانت تستهدف فردًا أو مجموعة أو قبيلة أو الوطن. فلنكن سدًا منيعًا ضد هذه “السموم”، ولنتذكر دائمًا أن سمعة كل واحد منا هي مرآة تعكس صورة مجتمعنا ووطننا.

إن قوة أي مجتمع، من أصغر وحداته إلى أكبرها، تكمن في تماسك أفراده وثقتهم ببعضهم البعض. وعندما نسمح لـ “سموم الكلمات”، بكل أشكالها العلنية والخفية، بأن تنخر في هذه الثقة على أي مستوى، فإننا بذلك نسمح بتقويض أنفسنا من الداخل، وتهديد وحدتنا واستقرارنا وتقدمنا كأفراد وكمجموعات وكقبائل وكوطن واحد.

المسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا لحماية مجتمعاتنا ووطننا من هذا الوباء المدمر، والعمل معًا نحو بناء بيئة يسودها الاحترام والصدق والأمان، لأن سمعة كل فرد ومجموعة وقبيلة هي جزء لا يتجزأ من سمعة وطننا ككل.

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى