الثقافة

القرآن: هندسة الوجود ومفتاح الأسرار الروحية

  • بقلم: حسن كرياط//

في عالم يضج بالفوضى، حيث تتشظى الأرواح بين صخب المادة وسراب المعنى، يظل السؤال معلقًا بين الوعي واللاوعي: كيف نجعل القرآن ليس مجرد نص يُتلى، بل كائنًا ينبض في وجداننا، يسري في دمائنا، ويعيد تشكيل وعينا بالوجود؟

القرآن ليس مجرد كتاب مقدس يُرتل في المناسبات، بل هو منظومة كونية متكاملة، معمار روحي يعيد ترميم علاقتنا بالحياة والغاية واللانهائي. إنه المفتاح الذي يفك شيفرة الوجود، والخارطة التي تقودنا إلى جوهر الحقيقة، حيث تتماهى الذات مع المعنى في رحلة لا تنتهي من النور إلى النور.

لكن المفارقة العظمى أن كثيرًا من القلوب التي تتلوه، تبقى خارجه. تردده الألسنة، لكنه لا يتجذر في الوجدان، فيظل النص سجين الأصوات، محرومًا من التحول إلى فعل. وما التفاعل الحقيقي معه إلا لحظة انفجار الوعي، حين تهزنا آياته من العمق، تُشعل فينا التساؤل، وتضعنا أمام مرايا أنفسنا بلا أقنعة.

الصحابة، حين قرأوا القرآن، لم يقرؤوه كطقس، بل كحدث زلزالي يغير مسار الحياة. كان النص بالنسبة إليهم حياةً تتحقق، لا كلمات تتلى. أما نحن، فنقف عند أعتابه، نستنطقه دون أن نصغي إليه، نحمله معنا في الجيوب والرفوف، لكن نتركه غريبًا عن مسارات عقولنا وقراراتنا.

إن التحول الجوهري في علاقتنا بالقرآن لا يكون في استنطاقه وفق أهوائنا، بل في التسليم له كقوة موجهة، كعقل كوني يرشدنا لما لا ندركه بأنفسنا. التدبر ليس تحليلًا لغويًا جامدًا، بل رحلة استكشاف ذاتي، غوص في الأبعاد الماورائية للكلمات، حيث يصبح النص أفقًا مفتوحًا على اللانهاية.

وحين تنبض قلوبنا بالقرآن، لا يعود مجرد كتاب، بل يصبح البوصلة التي تعيد ضبط إيقاع أرواحنا، ويكشف لنا المعادلة الأزلية: أنك لا تقرأ القرآن، بل هو الذي يقرأك.

          

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى