المغرب اليوم

الصحافة المغربية بين حماية المهنة وإشكالية الإقصاء

  • الأمين مشبال //

أثار البلاغ الصادر عن عدد من الصحفيين المهنيين بمدينة تطوان، والذي دعوا فيه السلطات الإدارية والأمنية والقضائية والمؤسسات المنتخبة، إلى التدخل لوضع حد لما وصفوه بـ«انتحال صفة صحفي» أو «مراسل صحفي» من طرف أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط القانونية لممارسة المهنة، نقاشاً يتجاوز في أبعاده حدود الحالة المحلية، ليطرح مجدداً إشكالية تنظيم المهنة الصحفية بالمغرب، وحدود العلاقة بين الحق في ممارسة العمل الإعلامي والالتزام بشروطه القانونية والأخلاقية.

لا شك أن حماية المهنة من الممارسات التي تسيء إليها، ومن استغلال الصفة الصحفية لتحقيق مصالح شخصية أو ابتزاز المسؤولين والمنتخبين ورجال الأعمال، مطلب مشروع، كما أن تنظيم الولوج إلى المهن التي تتطلب كفاءات ومسؤوليات خاصة ليس أمراً استثنائياً، بل هو إجراء معمول به في قطاعات متعددة، كالمحاماة والطب والصيدلة وغيرها.

غير أن مشروعية هذا المطلب لا ينبغي أن تحول دون مساءلة الإطار القانوني المنظم للمهنة، وتقييم نتائجه العملية، والوقوف عند بعض الاختلالات التي أفرزها تطبيقه. فهل يكفي ضبط شروط الحصول على بطاقة الصحافة المهنية لمحاربة مظاهر الانحراف والتطفل على المهنة؟
نعم، ولكن…

شكل صدور القانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، سنة 2016، ضمن حزمة تشريعية شملت أيضاً القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر والقانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة، خطوة مهمة في اتجاه إعادة تنظيم المهنة وتحديد شروط اكتساب الصفة المهنية، بعدما ظل المجال الصحفي، لسنوات طويلة، يعرف نوعاً من التداخل بين الصحفي المحترف والمراسل والمتعاون والكاتب والناشر.

فقد وضع القانون تعريفاً للصحفي المهني المحترف، يقوم أساساً على ممارسة الصحافة بصورة رئيسية ومنتظمة، داخل مؤسسة صحفية، وعلى أن يكون الأجر الرئيسي للمعني بالأمر متأتياً من مزاولة المهنة. كما نظم وضعية الصحفي الحر والصحفي المتدرب، وأقر نظاماً خاصاً ببطاقة الصحافة المهنية باعتبارها وسيلة لإثبات الصفة المهنية.

وبذلك لم يعد مجرد نشر المقالات أو امتلاك موقع إلكتروني أو صفحة إخبارية كافياً لاكتساب صفة الصحفي المهني، بل أصبح الأمر مرتبطاً بشروط قانونية ومهنية محددة، وبوجود علاقة فعلية بمؤسسة صحفية تمارس نشاطها وفق المقتضيات الجاري بها العمل.

ومن الإنصاف الإقرار بأن هذه المقتضيات ساهمت في وضع حدود أوضح لمفهوم الصحفي المهني، وفي الحد، ولو نسبياً، من ظاهرة استغلال الصفة الصحفية من طرف بعض الأشخاص الذين لا تربطهم بالعمل الإعلامي صلة حقيقية، بحيث يحرصون على الظهور في المناسبات الرسمية والتظاهرات الكبيرة، بحثاً عن منافع شخصية، أو تلميع صورة من يدفع أكثر، مقابل التشهير بمن يرفض الخضوع لمطالبهم، خصوصاً إذا كان في موقع مسؤولية، سواء تعلق الأمر بمنتخبين أو رؤساء مصالح إدارية أو رجال أعمال.

ذاكرة مهنية خارج الاعتراف

لعل أحد أبرز الإشكالات التي تستحق النقاش يتمثل في وضعية فئة واسعة من المراسلين والمتعاونين الصحفيين الذين ساهموا، على مدى عقود، في بناء الصحافة المغربية وتطوير حضورها خارج محور الرباط والدار البيضاء.

فقد اعتمدت الصحافة الحزبية، التي شكلت منذ الاستقلال وإلى حدود التسعينيات أحد أبرز مكونات المشهد الإعلامي الوطني، في تغطية أخبار الأقاليم والجهات على شبكة من المراسلين المحليين كانوا يشتغلون في ظروف مادية ومهنية صعبة، وفي غالب الأحيان مقابل تعويضات رمزية لا ترقى إلى مستوى الجهد المبذول.

وهو ما يفسر طبيعة الصحافة الحزبية خلال تلك المرحلة، حين كانت جرائد مثل «العلم» و«المحرر»، ثم «الاتحاد الاشتراكي» و«البيان» و«أنوال» و«المنعطف»، وغيرها، تعتمد غالبا على مراسلين محليين ومناضلين حزبيين لتوسيع مجال تغطيتها وحضورها.

وكان أغلب هؤلاء يزاولون مهن التعليم أو المحاماة أو أنشطة أخرى، فيما كان بعضهم الآخر طلبة جامعيين أو فاعلين ثقافيين وسياسيين.

ونستحضر هنا تجارب وأسماء من المراسلين الذين ارتبطوا بالصحافة الوطنية بتطوان، ومنهم عبد السلام ماشان، وعبد العزيزالمرابط، وحمو السريري، ومحمد صوصي العلوي، ومحمد شقور، والعياشي أبو الشتا،وحسن الوديي وغيرهم ممن ساهموا في نقل قضايا الإقليم إلى الرأي العام الوطني، وإغناء صفحات الجرائد بالأخبار والتقارير والمواد الثقافية والاجتماعية والسياسية. وأسهموا في تكوين رأي عام محلي، وفي التعريف بقضايا ظلت لولا جهودهم بعيدة عن اهتمام الصحافة المركزية.

وإلى يومنا هذا لا يزال المراسلون الصحفيون يضطلعون بأدوار مهمة في تغطية الحياة الاجتماعية وقضايا الساكنة في الأقاليم، بل يكون لهم أحيانا دور حاسم في جعل أحداث محلية تتحول إلى قضية رأي عام وطني كما حدث في قضية الطفل المرحوم ريان.

من هنا سيكون من المفيد أن يفكر المجلس الوطني للصحافة دراسة واقتراح صيغ مؤسساتية تحفظ هذا الرصيد، وتكرم أصحابه، دون الخلط بين الاعتراف بالعطاء ومنح الصفة المهنية بصورة تلقائية.

هشاشة اقتصادية وشبكات النفوذ

إذا كانت هذه الاختلالات تطرح نفسها على المستوى الوطني، فإنها تبدو أكثر حدة على مستوى الصحافة الجهوية والمحلية، التي تعاني من هشاشة اقتصادية وبنيوية تجعلها عاجزة في كثير من الأحيان عن استقطاب الكفاءات الصحفية والاحتفاظ بها.

فالمقاولة الصحفية الجهوية لا تواجه فقط محدودية مواردها الإشهارية، وضعف قدرتها على المنافسة مع المنابر الوطنية الكبرى، بل تعاني أيضاً من ضيق السوق المحلية، ومحدودية المؤسسات الاقتصادية القادرة على الاستثمار في الإشهار، فضلاً عن ضعف ثقافة التواصل المؤسساتي لدى عدد من الفاعلين المحليين.

غير أن الأزمة لا يمكن تفسيرها بالعوامل الاقتصادية وحدها. فهناك أيضاً علاقة معقدة بين الإعلام المحلي والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، حيث قد تتحول بعض المنابر إلى أدوات ضمن شبكات المصالح والنفوذ المحلي، سواء من خلال التبعية الإشهارية، أو توظيف التغطيات الإعلامية في تلميع صورة بعض المسؤولين والمنتخبين، أو استعمال النشر والتهديد بالنشر وسيلة للضغط والمساومة.

وفي مثل هذه الحالات، لا تعود الصحافة مجرد وسيط لنقل الوقائع ومساءلة المسؤولين، بل قد تتحول إلى عنصر داخل شبكة من العلاقات التي تعيد إنتاج النفوذ المحلي، وتوظف السلطة الرمزية للإعلام في التأثير على موازين القوة داخل المجتمع.

ولذلك، فإن الدفاع عن الصحافة الجهوية لا ينبغي أن يقتصر على حماية المقاولات القائمة، وإنما يتطلب التفكير في نموذج اقتصادي يراعي خصوصية وإكراهات المقاولة الصحفية في الجهات البعيدة عن محورالدار البيضاء والرباط، ويكون قادرا على ضمان استمراريتها واستقلاليتها، وعلى توفير شروط اشتغال الصحفيين والمتعاونين معها في ظروف مهنية واجتماعية لائقة، وذلك بغية توفير المناخ الملائم لتقديم منتوج يعيد الاعتبار للمنتوج الصحفي المحلي، وعدم اختزاله في نشر أخبار الأنشطة الرسمية والتغطيات البروتوكولية، بل تمكينه من إنتاج التحقيقات والروبورتاجات والحوارات والتحليلات التي تلامس قضايا التنمية المحلية، واختلالات التدبير الجماعي، والبيئة، والتعليم، والصحة، والتحولات الاجتماعية والثقافية.

أين الجودة؟

لم يؤدي حصر مفهوم الصحفي المهني في نموذج الصحفي الذي يتفرغ كلياً للمهنة ويتقاضى أجره الرئيسي منها، وإن كان مفهوماً من زاوية تنظيم المهنة وحماية حقوق العاملين بها، من استمرار مظاهر الخلل داخل جزء كبيرمن النسيج المقاولاتي والإعلامي الذي يفترض فيه أن يشكل الحاضنة الأساسية للعمل الصحفي الاحترافي.

فالنشاط الصحفي في العديد من المنابر يكاد يقتصر النشاط الصحفي على إعادة نشر الأخبار والقصاصات الواردة في وكالات الأنباء، أو نقل المواد المنشورة في مواقع أخرى وإعادة صياغتها بصورة محدودة، كما يلاحظ أن الأجناس الصحفية الأكثر حضوراً في معظم هذه المنابر تظل هي الأخبار القصيرة، وخصوصاً المثيرة منها، بينما تكاد تختفي أو تتراجع أجناس صحفية أساسية، من قبيل التحقيق والروبورتاج والحوار والتحليل والمقال النقدي.

وفضلا عن ذلك تفتقر تلك المؤسسات تفتقر إلى الحد الأدنى من الموارد البشرية المتخصصة، ولا تتوفر على طاقم للتحرير أو التصوير أو المعالجة التقنية، كما لا يبدو أن لديها تصوراً واضحاً لسياسة تحريرية أو استراتيجية لإنتاج محتوى إعلامي ذي قيمة مضافة.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما القيمة المضافة من توفر المغرب على مؤسسات إعلامية تتوفر على الصفة القانونية لمقاولة صحفية، وتنال نصيبها من كعكة الدعم العمومي، إذا كانت لا تستثمر في الصحفيين والتقنيين، ولا تنتج مضموناً إعلامياً أصيلاً، ولا تساهم في تطوير النقاش العمومي، ودون أن تتوفر على مشروع إعلامي حقيقي؟

فالممارسة الصحفية المسؤولة لا تختزل في الصفة القانونية، وإنما تقوم على منظومة متكاملة من القيم والمعايير، في مقدمتها التحقق من صحة الأخبار، والتثبت من مصادرها، واحترام قرينة البراءة، والتمييز بين الوقائع والآراء، وصون الحياة الخاصة، بالإضافة إلى التكوين والزاد المعرفي الذي يتعين أن يتسلح به الصحفي.

ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى فتح نقاش جدي ومسؤول داخل الهيئات المهنية والنقابية، والجمعيات والفعاليات المهتمة بالإعلام، حول سبل الاعتراف بالرصيد التاريخي للمراسلين والمتعاونين الصحفيين، وإمكانيات إدماج الكفاءات التي راكمت تجربة صحفية معتبرة في صيغ قانونية ومهنية مناسبة، دون الخلط بين الاعتراف بإسهاماتها ومنحها تلقائياً صفة الصحفي المهني.

كما ينبغي أن يمتد هذا النقاش إلى مراجعة النموذج الاقتصادي للمقاولة الصحفية، ومعايير الاستفادة من الدعم العمومي، وأوضاع الصحفيين الاجتماعية والمهنية، ومستقبل الصحافة الجهوية، وسبل الارتقاء بالتكوين والتكوين المستمر، فضلاً عن تعزيز آليات التنظيم الذاتي والتأديب المهني.

فالصحافة ليست مجرد بطاقة مهنية، ولا مجرد مقاولة حاصلة على وصل قانوني. إنها، قبل كل شيء، وظيفة اجتماعية وثقافية ورقابية، تقوم على إنتاج المعلومة والتحقق منها، ومساءلة السلطة، وتنوير الرأي العام، والدفاع عن حق المجتمع في معرفة ما يجري حوله.

فالصحافة لا يحميها القانون وحده، كما لا تحميها بطاقة مهنية معلقة على الصدر، وإنما تحميها جودة ما تنتجه، ومصداقية ما تنشره، ونزاهة مؤسساتها، وثقة المجتمع في رسالتها.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto