
قراءة سوسيولوجية : الحانوت واقعة اجتماعية..
قراءة سوسيولوجية : الحانوت واقعة اجتماعية
في إنتاج الوعي الجمعي وإعادة تشكيل التمثلات المشتركة في المجتمع
- بقلم : عبدالكريم أبو أمين //
المقدمة : الثبات المكاني والامتداد الرمزي :
إن الحانوت في مجتمعنا ليس دكاناً صغيراً لبيع السلع؛ إنه واقعة اجتماعية كلية، تتجاوز وظيفتها التجارية، لتؤدي وظائف رمزية، وثقافية، واجتماعية عميقة ، إن صاحب الحانوت مرابط في دكانه، مستقر في محله، ثابت في مكانه، لا يغادره ، ومع ذلك فإن حضوره لا ينحصر في ذلك المكان؛ إنه يمتد، عبر الأداء الرمزي، ليرافق الوعي الجمعي في البيت ، وفي الدوار، وفي الحي ، وفي الذاكرة ، إنه ثابت مكانياً، ومتحرك رمزياً؛ إنه مقيم في حانوته، وساكن في وعينا الجمعي.
إن هذه القراءة السوسيولوجية تروم تحليل الحانوت بوصفه واقعة اجتماعية، تنتج الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل التمثلات المشتركة، وتحفظ الضمير الجمعي، في مواجهة التحولات الرأسمالية العابرة للقارات.
أولاً: الحانوت بوصفه واقعة اجتماعية :
إن الحانوت، في منظور التحليل السوسيولوجي، ليس مجرد فضاء للتبادل التجاري؛ إنه واقعة اجتماعية، أي أنه واقع موضوعي، خارج عن إرادة الأفراد، ومستقل عنهم، ومع ذلك فإنه لا يوجد إلا بهم ومن خلالهم، إن الحانوت يفرض قواعد، وطقوساً، وأعرافاً، لا يملك الفرد أن يخرج عنها؛ فولوجه ، وشكل التحية، واسلوب الطلب، وكيفية الأداء، كلها قواعد اجتماعية مضمرة، يعرفها الوعي الجمعي، ويعيد إنتاجها يومياً ، إن الحانوت يقع في قلب الحياة اليومية؛ إنه المكان الذي يلتقي فيه الكبار والصغار، والرجال والنساء، والفقراء والميسورون؛ إنه فضاء العبور، واللقاء، و الاعتراف؛ إنه ليس في هامش الحياة، بل في مركزها.
ثانياً: الحانوت وإنتاج الوعي الجمعي :
إن الوعي الجمعي ليس مجموع وعي الأفراد؛ إنه وعي مستقل، يعلو عليهم، ويوجه سلوكهم، ويحدد معاييرهم، والحانوت هو أحد أهم الفضاءات التي ينتج فيها هذا الوعي الجمعي ويعاد إنتاجه ، ففي الحانوت، تتداول الأخبار، وتتشكل الآراء، وتُبنى التمثلات المشتركة حول قيم المجموعة :الصواب والخطأ، الشرف والعيب، المقبول والمرفوض. إن الحانوت مدرسة غير رسمية، يتعلم فيها الطفل كيف يتكلم، وكيف يحترم، وكيف يطلب، وكيف يؤدي.
فصاحب الحانوت، بحكم ثباته المكاني، يتحول إلى ذاكرة حية؛ إنه مرابط في دكانه، ثابت في مكانه، والخبر يأتي إليه. إنه لا يسعى إلى الخبر، بل الخبر يأتي إليه، إن له إحاطة بما يقع، لأن الحانوت هو نقطة العبور؛ من مرّ يترك خبراً، و من يشترى ترك أثراً، ومن ولج يترك كلمة، هكذا، دون أن يتحرك من مكانه، تتشكل لديه إحاطة بما يجري. إنها إحاطة المكان، لا إحاطة الشخص؛ فمن جلس في نقطة العبور، وصلته الأخبار، ومن ثبت في مركز الحياة اليومية، أحاط بما يدور فيها، فصاحب الحانوت يعلم، لأنه في المكان الذي يعلم فيه الجميع.
إن الذاكرة هنا هي نتيجة الثبات، لا نتيجة البحث؛ إنه يتذكر الوجوه، والأسماء، والأحوال، لأن الناس يمرون أمامه كل يوم.، إنه يعلم من غاب، ومن حضر، ومن مرض، ومن سافر، لأن الغياب والحضور يظهران في الحانوت أولاً.
إن الوعي الجمعي الذي ينتجه الحانوت يقوم على ثلاث دعائم، هي: الثقة، والاعتراف، والذاكرة.
فأما الثقة، فإن العلاقة في الحانوت لا تقوم على العقد، بل على الكلمة؛ والكلمة في الوعي الجمعي المغربي شرف وعهد والتزام.
وأما الاعتراف، فإن صاحب الحانوت ينادي كل واحد باسمه، ويسأل عن أسرته وأبويه ، وعن أحواله؛ إنه يعترف بوجوده، وهذا الاعتراف هو أساس الانتماء.
وأما الذاكرة، فإن الحانوت يحفظ ذاكرة الدوار، وذاكرة الحي، وذاكرة الأجداد؛ إنه يحفظ ما حدث في المقاومة، وما حدث في الاستقلال، وما حدث في الجفاف، وما حدث في المناسبات والأعياد ؛ إنه ذاكرة حية.
ثالثاً: الأداء الرمزي: القوة الحقيقية للحانوت :
إن قوة الحانوت ليست تجارية، وليست رأسمالية؛ إنها قوة رمزية، تتجلى في الأداء الرمزي اليومي، إن ما يقدمه الحانوت لا يمكن قياسه بالربح والخسارة؛ فهو خارج منطق السوق، وخارج منطق الرأسمالية، إنه يقدم المعنى، والانتماء، والطمأنينة، والثقة، وهي قيم لا تدخل في كنانيش المحاسبة، ولا تظهر في الفاتورات، ولا تعترف بها المساحات الكبرى، ويتجلى هذا الأداء الرمزي في أربع وظائف أساسية، هي: الائتمان الاجتماعي، والبوح، والصلح، والصمت.
فأما الائتمان الاجتماعي “الكريدي” فإنه ليس قرضاً مالياً، بل هو طقس اعتراف؛ حين يمنح صاحب الحانوت الائتمان الاجتماعي “الكريدي”، فهو يمنح الثقة؛ ويقول للفرد: أنت منا، أنت معترف بك، أنت جزء من الوعي الجمعي. وإن سجل الائتمان الاجتماعي “الكريدي” ليس دفتراً محاسباتياً، بل هو أرشيف للضمير الجمعي، يحفظ فيه صاحب الحانوت أسماء الناس، وأحوالهم، يقوم الائتمان الاجتماعي “الكريدي” على الكلمة، لا على الورقة والشرف و الضمان، وعلى التمثلات المشتركة حول الوفاء، لا على القانون.
وأما البوح، فالناس يبوحون لصاحب الحانوت بما لا يبوحون به لغيره ؛ يسمع شكواهم، يحزن ويفرح بأحوالهم؛ إنه في موضع الإصغاء، بحكم مكانه.
وأما الصلح، فالحانوت فضاء للصلح؛ حين يقع نزاع بين شخصين، يتدخل صاحب الحانوت، ويصلح بينهما؛ إنه وسيط رمزي، يملك سلطة الوعي الجمعي.. وأما الصمت، فيدرك متى يتكلم، ووقت الصمت؛ فهو أساس الثقة.
رابعاً: الحانوت والمقاومة: من الذاكرة إلى الحاضر:
لم يكن الحانوت بعيداً عن المقاومة؛ في عهد الاستعمار، صار مكاناً لتداول الأخبار، لإخفاء المنشورات، لجمع المساعدات والتبرعات ، ويخفي المقاومين؛ إنه كان فضاءً للمقاومة الرمزية، قبل أن يصير فضاءً تجارياً.
واليوم، يستمر الحانوت في مقاومته، بشكل آخر؛ يقاوم السوق والاستهلاك، ويمنع تحويل الإنسان إلى زبون؛ يقاوم بثباته، وبصمته، وبثقته، وبذاكرته مقاومة ليست مسلحة، بل هي مقاومة رمزية؛ لانها مقاومة الوعي الجمعي، الذي يرفض أن يتحول إلى سوق.
خامساً: الحانوت تحت الهجوم: المساحات الكبرى العابرة للقارات في مواجهة القوة الرمزية
ما يتعرض له الحانوت المغربي اليوم ليس منافسة تجارية عادية، بل هو هجوم بنيوي، تقوده مساحات كبرى عابرة للقارات، تحمل معها رأسمالاً ضخماً، ولوجيستيكاً عالمياً، وتكنولوجيا متقدمة، وقدرة على البيع بأثمنة لا يستطيع الحانوت أن ينافسها ، مساحات لا تأتي من الحي، والدوار؛ إنها تأتي من خارج الحدود، من أوروبا وأمريكا واسيا ، من شبكات رأسمالية عابرة للقارات، لا تعرف الوعي الجمعي المغربي، ولا تعترف بالتمثلات المشتركة، ولا يهمها الضمير الجمعي، إنها ترى المجال سوقاً، وترى الزبون مستهلكاً، وترى السلعة رقماً ، منطق واضح يسعى إلى القضاء على الحانوت، لا باعتباره منافسا تجاريا قويا ، بل لأنه عقبة رمزية أمام التوسع؛ فالحانوت يمنع تحول العلاقة إلى علاقة بيع وشراء خالصة؛ إنه يمنع تحول الإنسان إلى زبون؛ إنه يمنع تحول الوعي الجمعي إلى سوق، لذلك يجب إزالته.
وقد استعملت هذه المساحات كل الأسلحة التجارية: الأثمنة المنخفضة، والعروض الكبرى، والإشهار المكثف، والتنوع الهائل في السلع، والنظافة، والتنظيم، ومواقف السيارات، والبطاقات البنكية؛ وهي أسلحة لا يملكها الحانوت، ولا يستطيع أن يملكها، ورغم ذلك، صمد الحانوت؛ ورغم الهجوم بقي صامدا ؛ ورغم كل التوقعات التي تنبأت بموته منذ فترة طويلة ، ما زال موجوداً، وما زال يفتح أبوابه كل صباح، وما زال الناس يأتون إليه.
لماذا صمد ، إذن ؟
صمد، ليس لأن قوته تجارية؛ فقوته التجارية ضعيفة، ورأسماله صغير، وهامش ربحه ضئيل. ، ولو كان الصراع صراعاً تجارياً خالصاً، لانهزم منذ زمن بعيد؛ فلا يمكن لدكان صغير أن ينافس مساحة كبرى في الثمن، ولا في العرض، ولا في التنوع.
صمد، لا لقوة رأسمالية؛ فهو لا يملك رأسمالاً، ولا أسهماً، ولا شبكات توزيع، ولا يملك قوة تفاوض مع الشركات الكبرى؛ إنه خارج منطق الرأسمالية تماماً ، صمد، لأن قوته لا تكمن في التجارة، بل في الأداء الرمزي.
إن ما يقدمه الحانوت لا تستطيع المساحات الكبرى أن تقدمه، مهما بلغت قوتها المالية؛ إنه يقدم الثقة، والاعتراف، والانتماء، والبوح، والصمت، والائتمان الاجتماعي “الكريدي”، والصلح، والذاكرة؛ إنه يقدم أداءً رمزياً يومياً، يعيد إنتاج الوعي الجمعي.
المساحة الكبرى تبيع السلعة، والحانوت يبيع المعنى، و الثقة؛ والاعتراف ، المساحة الكبرى تعرض المنتوج، والحانوت يضمن الانتماء، أما الزبون في المساحة الكبرى يدخل ويخرج غريباً؛ لا أحد يعرف اسمه، لا أحد يسأل عن أهله ، لا أحد يعرف دينه؛ إنه رقم في الطابور، ورقم في الفاتورة ، أما زبون الحانوت يدخل ويخرج منتمياً؛ لكونه عضواً في الوعي الجمعي.
إن الأداء الرمزي للحانوت يتجلى في مواجهة المساحات الكبرى في أربع وظائف لا تملكها هذه المساحات، هي: أداء الثقة، أداء الاعتراف، أداء الصمت وأداء الذاكرة.
فأما أداء الثقة، فالمساحة الكبرى لا تمنح الائتمان الاجتماعي “الكريدي”، لأنها لا تعرف الثقة؛ إنها تعرف البطاقة البنكية فقط؛ بعكس الحانوت، فهو يمنح الائتمان الاجتماعي “الكريدي”، لأنه يعرف الوعي الجمعي.
وعن أداء الاعتراف، فصاحب الحانوت ينادي الزبون باسمه، ويسأل عن أبيه، ويعرف مرض أمه، ويعرف نجاح ابنه؛ إنه يعترف به؛ المساحة الكبرى لا تعترف بأحد، لأنها لا تعرف أحداً.
و أداء الصمت، هنا يحفظ صاحب الحانوت ما يسمع؛ المساحة الكبرى لا تحفظ شيئاً، لأنها لا تسمع شيئاً؛ إنها فضاء صامت، صمت الغربة، لا صمت الثقة.
ثم أداء الذاكرة، فالحانوت يحفظ ذاكرة الدوار، ذاكرة المقاومة، ذاكرة الأجداد؛ المساحة الكبرى بلا ذاكرة، لأنها بلا تاريخ؛ تأتي اليوم، وتذهب غداً، وتبقى الأرض فارغة.
لهذا، فإن صمود الحانوت ليس صموداً اقتصادياً، بل هو صمود رمزي؛ صمود الوعي الجمعي في وجه السوق وصمود التمثلات المشتركة في وجه الاستهلاك؛ بالتالي صمود الضمير الجمعي في وجه الرأسمالية العابرة للقارات ، تقيس المساحات الكبرى كل شيء بالربح والخسارة؛ أما الحانوت، فإنه يقاس بالثقة، وبالاعتراف، وبالذاكرة؛ لا بالربح والخسارة ، قد تهزم المساحات الكبرى الحانوت في الأثمان، ولا تهزمه في المعنى؛ وتستطيع أن تهزمه في العرض والإشهار لكنها لا تستطيع أن تهزمه في الثقة والذاكرة.
الخاتمة : المرابط الذي يرافقنا :
إن الحانوت في مجتمعنا ليس دكاناً؛ إنه واقعة اجتماعية، تنتج الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل التمثلات المشتركة، وتحفظ الضمير الجمعي، صاحب الحانوت مرابط في دكانه، مستقر في محله، ثابت في مكانه؛ ومع ذلك، يرافقنا في البيت ،والحي و الدوار، ، والأقوى في الذاكرة؛ إنه ثابت مكانياً، ومتحرك رمزياً.
وسيبقى الحانوت قويا رمزياً؛ ليس لأنه يملك رأس المال، بل لأنه يملك رأس المال الرمزي؛ ليس لأنه يبيع أكثر، بل لأنه يعني أكثر.
إن المساحات الكبرى العابرة للقارات تستطيع أن تهدم الدكان، ولكنها غير قادرة على هدم المعنى؛ وقد تغلق الحانوت، ولكنها لن تغلق الوعي الجمعي؛ فالحانوت ليس في الجدران، بل في التمثلات المشتركة؛ إنه ليس في المكان، بل في الضمير الجمعي.. ولهذا، فإن الحانوت سيبقى، ما بقي الوعي الجمعي؛ وسيبقى صاحب الحانوت، مرابطاً في دكانه، ومرافقاً لنا في كل مكان.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



