
يسكنون الحديقة… لأن الحياة لا تحال على التقاعد
لم يكن إلحاحه مجرد دعوة عابرة ولا إصراره على حضوري رغبة في رفع عدد الحاضرين.. كان شيئاً أقرب إلى وصاية جميلة يمارسها رجل يعرف كيف يورّط الآخرين في حب الحياة وكيف يقودهم دون ضجيج إلى أماكن لا تشبه سواها.
وحين اشتد إحراجي أمام إلحاحه سألته :
وأين يقع مقر هذه الجمعية بالضبط ؟
أجابني بعفوية تختصر فلسفة المكان وأهله :
نحن نسكن داخل الحديقة…
توقفت عند العبارة طويلاً.
يا لها من جملة صغيرة تتسع لكل هذا الجمال!
(نسكن الحديقة…)
كأن الرجل لا يحدد عنواناً جغرافيا بل يعلن انتماءً إلى الحياة وكأنها ليست فضاءً للقاء فحسب وإنما وطن صغير يأوي الذين لم يستسلموا لفكرة الذبول وقرروا أن يظلوا قريبين من الضوء مهما تقدم بهم العمر.
في تلك اللحظة شعرت أنني أمام تجربة تستحق الانتباه إليها وأن خلف هذه العبارة البسيطة حكاية إنسانية أكبر من مجرد جمعية للمتقاعدين
وصلت قبل الموعد بنصف ساعة…أردت أن أتعرف على الحديقة قبل أن ألتقي بسكانها وأن أستأنس بفضائها قبل أن أستمع إلى حكاياتها
كان الحضور قد بدأ يتوافد غير أن أكثر ما استوقفني ذلك الحضور النسائي اللافت وجوه كثيرة..وابتسامات هادئة..وحيوية لا تخطئها العين.
نساء لم يقبلن أن يكون التقاعد نهاية أدوارهن.. ولا أن يتحول العمر إلى مقعد في زاوية الانتظار.
جئن ليؤكدن أن للمرأة في كل مراحل الحياة حقاً في الحضور والمشاركة وصناعة الفرح.
داخل المقر الإداري استوقفتني سبورة صغيرة للإعلانات… لم تكن مزدحمة بالأرقام والتقارير والبلاغات الإدارية بل كانت أشبه بنافذة مفتوحة على الطيبة.. أدعية رقيقة.. وكلمات تفيض بالمودة.. ونصائح إنسانية بسيطة تذكّرنا بأن الحياة على الرغم من قسوتها أحياناً لا تزال تستحق أن نعيشها بمحبة وأن نخفف عن بعضنا وعورة الطريق.
دخلت قاعة اللقاء وأنا أحمل شيئاً من الحذر.. خشيت أن أجد نفسي أمام احتفال تقليدي تتكرر فيه العبارات الجاهزة وتُستعاد فيه الأناشيد الوطنية القديمة لكنني سرعان ما اكتشفت أن الأمر مختلف تماماً.
كنا أمام موعد مع الذاكرة وأمام درس في التاريخ الحي يستعيد فصلاً من فصول الذاكرة الوطنية من لحظة النداء الأول للمسيرة الخضراء إلى محطة إعلان الوحدة الترابية.
لم يكن الأمر مجرد استحضار لماضٍ بعيد بل كان عودة إلى زمن عاشه هؤلاء الحاضرون بكل تفاصيله واحتفظوا منه بصور لا تزال تسكن وجدانهم.
وكان اختيار الصديق والأستاذ الدكتور عز الدين بونيت لتأطير هذا اللقاء اختياراً موفقاً..فقد امتلك الرجل قدرة لافتة على تحويل المعرفة التاريخية إلى حكاية قريبة من الوجدان مستنداً إلى رصانة الباحث وحيوية المربي.
لم يكن يلقي محاضرة بقدر ما كان يوقظ الذاكرة ويفتح أمام الحاضرين نوافذ على تاريخ المغرب وعلى التحولات التي سبقت الاستعمار وما حملته سنواته من معاناة وتضحيات في ظل تجربة الاستعمار الثلاثي التي تركت بصماتها العميقة على البلاد
كان يصغي إليه الحاضرون كما لو أنهم يستعيدون صفحات من أعمارهم لا مجرد فصول من كتاب التاريخ. وبين الفينة والأخرى كانت الصور تتشكل في مخيلتي: حافلات متراصة ووجوه متحمسة وخطى تشق الطريق نحو الجنوب
وإنزكان ايت ملول في قلب المشهد وهي تستقبل المتطوعين باعتبارها إحدى البوابات الكبرى التي احتضنت روح الانطلاق والعبور
وحين جلت ببصري بين الطاولات أدركت أنني لا أجلس وسط جمهور عادي بل وسط جيل كامل من الشهود هؤلاء الذين كانوا بالأمس شباباً في مقتبل العمر يخطون خطواتهم الأولى في الحياة المهنية ويعيشون أحلام الوطن وتحولاته بحماسة البدايات.
هم اليوم أعضاء جمعية أمل لمتقاعدي ومسني عمالة أكادير إداوتنان.
تأملت الوجوه من حولي وراودني سؤال:
ماذا يعني أن يتقدم بنا العمر؟ هل يعني أن نغادر الحياة تدريجياً أم أن نكتشف فيها مساحات جديدة لم نكن نملك الوقت الكافي لبلوغها.. ؟
هنا فقط فهمت سر العبارة التي استقبلتني منذ البداية: (نحن نسكن داخل الحديقة) .
لقد اختاروا أن يجعلوا منها أسلوب حياة…
هنا لا تُقاس الأعمار بعدد السنوات بل بعدد الابتسامات ولا تُحسب الأيام بما مضى منها بل بما لا يزال فيها من قدرة على الحب والمشاركة والدهشة.
غادرت المكان بعد أن علّموني دون أن يقصدوا
أن بعض الناس لا يشيخون لأنهم ببساطة لم يتخلوا عن حقهم في الحياة..
هؤلاء أُناس الحديقة…
اختاروا أن يصالحوا الزمن بالحياة وأن يجعلوا من خريف العمر ربيعاً لا ينتهي.
فما دام في الروح متّسع للأمل لا يشيخ الإنسان…
بل يتجدّد.
شكرا لكم على حسن الضيافة والإستقبال
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



