الرأيالمغرب اليوم

الأمازبغية والذكاء الإصطناعي ..!

  • الحسن باكريم  //

أكادير اليوم – تجد الأمازيغية، التي قطعت مساراً تاريخياً طويلاً من التهميش إلى الاعتراف الدستوري،  تجد نفسها اليوم أمام تحديات جديدة لا تقل تعقيداً عن تلك التي واجهتها خلال العقود الماضية، وفي مقدمتها التحولات الرقمية المتسارعة وما يرافقها من انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في ظل تساؤلات حول مدى استعداد المؤسسات المعنية لمواكبة هذه التحولات وحماية اللغة والثقافة الأمازيغيتين من مخاطر التهميش الرقمي.

تأتي هذه المساهمة تبعا لمداخلتي في أشغال الدورة الثالثة لجامعة سعيد أشتوك للفنون، المنظمة يوم الخميس 5 نونبر 2026 بكلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية بأيت ملول، تحت شعار «فن تيرويسا وتحديات الذكاء الاصطناعي»، حيث قدمت قراءة نقدية في مسار الأمازيغية بالمغرب، انطلاقاً من مراحل التهميش والنضال من أجل الاعتراف، وصولاً إلى إشكالات تفعيل الطابع الرسمي والتحديات التي تفرضها الثورة التكنولوجية الراهنة.

ومن أجل فهم ما ينتظر الأمازيغية اليوم، استعرض أبرز المحطات التي طبعت تاريخ الأمازيغية في المغرب، مميزاً بين مراحل متعددة، لكل واحدة منها سياقها السياسي والثقافي والمؤسساتي.

فقد شكلت المرحلة الأولى، في فترة اتسمت بالتهميش الواسع للأمازيغية وإقصائها من مجالات أساسية، وفي مقدمتها التعليم والإدارة والإعلام، رغم حضورها العميق في المجتمع المغربي باعتبارها لغة وثقافة ومكوناً أصيلاً من مكونات الهوية الوطنية.

أما المرحلة الثانية، فقد ارتبطت ببروز الحركة الثقافية الأمازيغية التي خاضت، على امتداد عقود، نضالاً مدنياً وفكرياً وحقوقياً من أجل إنصاف الأمازيغية، وإعادة الاعتبار لها في السياسات العمومية، عبر العمل الجمعوي والإنتاج الثقافي والترافع المؤسساتي.

أن هذه المرحلة ساهمت في نقل القضية الأمازيغية من دائرة المطالب الثقافية المحدودة إلى صلب النقاش العمومي حول الهوية والحقوق اللغوية والثقافية والمواطنة.

ولابد أيضا التوقف عند محطة خطاب أجدير سنة 2001، باعتبارها منعطفاً أساسياً في مسار التعامل الرسمي مع الأمازيغية، بعدما أطلق الملك محمد السادس دينامية مؤسساتية جديدة، تجسدت خصوصاً في إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.

وأعتبر أن هذه المرحلة دشنت انتقالاً مهماً من زمن المطالبة بالاعتراف إلى زمن بناء المؤسسات والبحث عن آليات إدماج الأمازيغية في مختلف مناحي الحياة العامة.

وقد تعزز هذا المسار بالاعتراف الدستوري بالأمازيغية لغة رسمية للدولة سنة 2011، وهو مكسب تاريخي فتح آفاقاً جديدة أمام مشروع الإنصاف اللغوي والثقافي.

غير أن هناك إشكالية ومفارقة تتعلق بالمسافة الفاصلة بين الاعتراف القانوني والتنزيل الفعلي، وقدرة السياسات العمومية على تحويل المكتسبات الدستورية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن في المدرسة والإدارة والقضاء والإعلام والخدمات العمومية وفي ازدباد عدد مستعملي اللغة الأمازيغية في المجتمع.

ورغم صدور القانون التنظيمي المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية بعد تماطل غير مبرر، لم ينهِ النقاش حول وتيرة التنزيل وحدود الالتزام المؤسساتي. لأن الإشكال لم يعد مرتبطاً فقط بوجود النصوص القانونية، وإنما بالإرادة الفعلية لتنفيذها، وتوفير الموارد البشرية والتقنية والمالية الضرورية لذلك.

ورغم إحداث صندوق خاص لدعم تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وما رافق هذا الأمر اليوم، مع حكومة جديدة،  من إعلان رفع الاعتمادات المالية من مليار إلى ملياري درهم،  وهذا التمويل لا تقاس بحجم المبالغ المرصودة وحدها، بل بمدى انعكاسها على واقع استعمال الأمازيغية في المؤسسات والخدمات العمومية. لان المشكل المطروح في هذا الصدد  يتعلق بالعلاقة بين الإرادة السياسية والإرادة التنفيذية، ومدى قدرة المؤسسات على الانتقال من إعلان النوايا والالتزامات إلى تحقيق النتائج.

الذكاء الاصطناعي يداهم الأمازيغية قبل استكمال ورش تفعيل الطابع الرسمي والانصاف.الحقيقي..

يشكل هذا المحور، المتعلق بالتحديات الجديدة التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي على اللغة والثقافة الأمازيغيتين، جوهر التحديات الجديدة، ففي الوقت الذي لا تزال فيه الأمازيغية تواجه صعوبات مرتبطة باستكمال تفعيل طابعها الرسمي، وجدت نفسها أمام ثورة تكنولوجية عالمية تعيد تشكيل طرق إنتاج المعرفة وتداول المعلومات والتواصل بين الأفراد والمجتمعات.

أن هذه التحولات تطرح إشكالات جديدة، لأن مستقبل اللغات لم يعد يتحدد فقط بمكانتها القانونية أو حضورها في المؤسسات التقليدية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرتها على الوجود داخل المنصات الرقمية ومحركات البحث وتطبيقات الترجمة الآلية وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ماذا هيأنا لرقمنة الأمازيغية؟  سؤال يتجاوز، في دلالاته، مجرد توفير لوحات مفاتيح أو خطوط رقمية بحرف تيفيناغ، ليشمل بناء موارد لغوية رقمية، وإنتاج قواعد بيانات موثوقة، وتطوير أدوات المعالجة الآلية للغة، وحفظ التراث الشفهي والمكتوب وإتاحته للأجيال الجديدة.

ولأن الخطر كل الخطر يوجد في فوضى الذكاء الاصطناعي ومخاطر العبث بالموروث الأمازيغي. المخاطر التي قد تنتج عن التوسع غير المنضبط في استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلغة وثقافة ما تزالان في حاجة إلى جهود كبيرة في مجالات التوثيق والرقمنة وإنتاج المحتوى.

وتتمثل هذه المخاطر في إمكانية إنتاج نصوص وترجمات غير دقيقة، أو تقديم معلومات مغلوطة عن التاريخ والثقافة الأمازيغيين، أو إعادة تركيب مواد تراثية خارج سياقاتها الأصلية، بما قد يؤدي إلى تشويه مضامينها أو إضعاف مصداقيتها.

وتكتسي هذه الإشكالات أهمية خاصة بالنسبة إلى فن الروايس، الذي يشكل أحد أبرز تعبيرات الذاكرة الفنية والشعرية الأمازيغية بسوس، بالنظر إلى غنى رصيده الشفهي والموسيقي وحاجته إلى التوثيق والحفظ والنقل بين الأجيال.

وفي المقابل، يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات واعدة في مجال رقمنة التسجيلات القديمة، وفهرسة الأرشيف السمعي البصري، وتفريغ النصوص الشعرية، والمساعدة في الترجمة والبحث، شريطة إخضاع هذه العمليات للمراجعة العلمية واللغوية واحترام حقوق المبدعين وأصحاب الأعمال الفنية.

السؤال الثاني لا يقل أهمية عن الأول: ما السبل الكفيلة بتجاوز فوضى وعبث الذكاء الإصطناعي؟ الجواب يطرح  نقاشاً أوسع حول ضرورة الانتقال من التعامل مع الرقمنة باعتبارها مجرد وسيلة تقنية إلى اعتبارها ورشاً استراتيجياً يرتبط بمستقبل الأمازيغية ومكانتها في مجتمع المعرفة.

فالتحدي المطروح اليوم لا يتعلق فقط بتوفير حضور رقمي للأمازيغية، بل أيضاً بضمان جودة هذا الحضور، ومصداقية المحتويات المنتجة، وحماية الخصوصيات اللغوية والثقافية من الاختزال والتشويه.

ويقتضي ذلك، في ضوء الإشكالات المطروحة، انخراط المؤسسات الجامعية والبحثية والثقافية والإعلامية في تطوير موارد رقمية أمازيغية موثوقة، وتشجيع البحث العلمي في المعالجة الآلية للغة، وتثمين الأرشيف الفني والأدبي، خاصة ما يتعلق بفن الروايس والتراث الشفهي ااأمازيغي.

هل تنصف التكنولوجيا ما لم تنصفه السياسات العمومية؟

وخلاصة هذه المحاولة تطرح مفارقة أساسية في المسار المعاصر للأمازيغية: فبينما استغرقت معركة الاعتراف والإنصاف عقوداً من النضال والترافع، جاءت الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي لتفرض تحديات جديدة بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة الإصلاحات المؤسساتية.

وإذا كانت المراحل السابقة قد ارتبطت بأسئلة الاعتراف الدستوري والتشريع والتمويل والإدماج في المؤسسات، فإن المرحلة الراهنة تفرض تموقع الأمازيغية في المستقبل الرقمي. وبذلك، لم تعد القضية مقتصرة على ضمان حضور الأمازيغية في المدرسة والإدارة والإعلام، بل امتدت إلى ضمان حضورها في الخوارزميات وقواعد البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، حتى لا يتحول التأخر في الرقمنة إلى شكل جديد من أشكال التهميش اللغوي والثقافي.

إنها، في نهاية المطاف، معركة جديدة تتعلق بالمعرفة والذاكرة والهوية، وتضع المؤسسات والباحثين والفاعلين الثقافيين أمام مسؤولية الانتقال من الدفاع عن حق الأمازيغية في الاعتراف إلى ضمان حقها في الوجود والتطور داخل العالم الرقمي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto