العالم اليوم

إريك سادان: الذكاء الاصطناعي كارثة حضارية مغلّفة بقشرة الحداثة

لا يرى الفيلسوف الفرنسي إريك سادان في الذكاء الاصطناعي، ولا سيما التوليدي منه، مجرد تقنية جديدة تختصر الوقت وتسهّل إنجاز المهام؛ بل يعتبره تحوّلاً يمسّ علاقة الإنسان بالتفكير والإبداع والعمل، ويهدد بإعادة تشكيل مكانته داخل المجتمع. ومن هنا تأتي عبارته الحادة عن «كارثة حضارية»؛ وهي تلخص قلقه من أن تُقدَّم هذه التقنيات في صورة تقدم ورفاه، بينما تدفع الإنسان تدريجياً إلى التخلي عن بعض قدراته الأساسية.

ينطلق سادان من أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات قادراً على إنتاج نصوص وصور وأصوات، وإنجاز أعمال كانت تستدعي جهداً ذهنياً وإبداعياً بشرياً. ويخشى أن يؤدي الاعتماد المتزايد عليه إلى إضعاف ملكات الكتابة والتحليل والابتكار، وإلى تحويل المعرفة إلى مادة جاهزة للاستهلاك، من دون أن يمرّ المستخدم دائماً بمسار البحث والتجربة وبناء الرأي.

ولا يقتصر نقده على أثر التقنية في الأفراد، بل يمتد إلى سوق العمل والثقافة والتعليم والإعلام. فحين تُستبدل الخبرة الإنسانية بأنظمة آلية، أو تُقاس قيمة العمل بما توفره من سرعة وخفض للتكاليف، قد تتراجع مكانة العامل والمبدع، ويصبح القرار محكوماً بمنطق الكفاءة الاقتصادية ومصالح الشركات. لذلك يحذر سادان من أن يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه حلاً محايداً، مع أنه يحمل اختيارات اقتصادية واجتماعية تؤثر في حياة الناس.

وفي جوهر هذا الموقف سؤال يتجاوز التقنية: ماذا يحدث للإنسان حين يفوض إلى الآلة مهام التفكير والتعبير والاختيار؟ يخشى سادان أن يؤدي ذلك إلى اتساع التبعية الرقمية، وإلى تراجع استقلال الفرد وقدرته على إصدار الأحكام، فضلاً عن إضعاف العلاقات الإنسانية ومجالات الحوار والتضامن. فالمشكلة، في نظره، ليست في وجود أدوات ذكية بحد ذاته، بل في جعلها مرجعاً متزايد النفوذ في شؤون الحياة.

وتأتي هذه الانتقادات في وقت تتقدم فيه الشركات والحكومات بخطاب يربط الذكاء الاصطناعي بالتحديث والابتكار والقدرة التنافسية. أما سادان فيدعو إلى التوقف أمام الكلفة الإنسانية والثقافية لهذا السباق، وإلى الإصغاء إلى العاملين في المهن المتأثرة به، بدلاً من الاكتفاء بوعود المستثمرين والمروّجين للتقنية. وقد عبّر عن هذا التوجه من خلال الدعوة إلى نقاش عمومي يضع آثار الذكاء الاصطناعي على الإنسان والمجتمع في صلب البحث.

ومع ذلك، فإن وصف الذكاء الاصطناعي بالكارثة يظل حكماً نقدياً يعبر عن موقف سادان، لا حقيقة متفقاً عليها. فالتقنيات نفسها قد تتيح فرصاً في مجالات متعددة، لكن السؤال الذي يطرحه الفيلسوف هو: من يحدد طريقة استخدامها، ومن يستفيد من عوائدها، ومن يتحمل تبعاتها؟

بين خطاب يرى في الذكاء الاصطناعي قفزة حتمية نحو المستقبل، وموقف سادان الذي يحذر من ثمنها الحضاري، يتقدم النقاش حول حدود التفويض للآلة. فالتحدي لا يتعلق فقط بما تستطيع الأنظمة إنجازه، بل بما ينبغي للإنسان أن يحتفظ به لنفسه: حق التفكير، وحرية الإبداع، ومسؤولية القرار.

مصدر: استند هذا العرض إلى مواقف منشورة لإريك سادان في مقابلات ومقالات، وإلى كتابه «صحراء ذواتنا» الصادر عام 2025.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto