الثقافةالرأي

ما الذي لا نراه في تجربة الطالب الجامعي بالمغرب؟ (الحلقة 6)

  • حبيبة أكوجديم /

ليس كل من يلتحق بالمدرسة يستطيع أن يتعلم بالشكل الذي يطمح إليه، وليس كل من يصل إلى الجامعة يجد الطريق ممهدا نحو تحقيق أحلامه. فبين الحق في التعليم والقدرة على الاستفادة منه، مسافة تصنعها ظروف اجتماعية واقتصادية وتربوية، وتكشف عن جانب من الإشكالات التي لا تزال تواجه منظومة التعليم في المغرب.

حين نتحدث عن التعليم، غالبا ما ينصرف النقاش إلى المناهج والبرامج، وإلى الإصلاحات التي تعلن عنها المؤسسات، وإلى الأرقام المرتبطة بالتمدرس والنجاح والانقطاع. لكن ثمة سؤالا آخر يستحق أن يحتل مكانا أساسيا في هذا النقاش: ماذا يعيش الطالب المغربي داخل هذه المنظومة؟ وهل نضع تجربته الفعلية في قلب التفكير في إصلاح التعليم؟

فالطالب لا يدخل المدرسة أو الجامعة باعتباره رقما في إحصائية، بل يحمل معه واقعا اجتماعيا وأسريا ونفسيا، وتطلعات شخصية، وقدرات تختلف من فرد إلى آخر. وهذه العوامل لا تبقى خارج المؤسسة التعليمية، بل ترافقه إلى الفصل والمدرج، وتؤثر في قدرته على التعلم والاستمرار.

لقد عرف المغرب توسعا مهما في الولوج إلى التعليم خلال العقود الأخيرة، وتراجعت نسب الأطفال والشباب خارج المدرسة مقارنة بما كانت عليه في بداية الألفية. غير أن توسيع فرص الالتحاق لا يعني بالضرورة أن جميع المتعلمين يحصلون على فرص متكافئة في التعلم والنجاح.

فالمشكلة لا تبدأ دائما عند مغادرة المدرسة، بل قد تبدأ قبل ذلك بكثير، حين يجد المتعلم نفسه داخل فصل مكتظ، أو أمام موارد تعليمية محدودة، أو في مؤسسة لا تتوفر فيها الشروط الكافية لمساعدته على اكتساب المعارف والمهارات الأساسية. وتشير معطيات تقرير الرصد العالمي للتعليم الصادر عن اليونسكو سنة 2026 بشأن المغرب إلى استمرار تحديات التكرار والانقطاع، رغم التقدم المحرز في توسيع الولوج إلى التعليم.

كما تبرز أهمية الفوارق المجالية والاجتماعية في فهم هذه الظواهر. وهذا يعني أن معالجة مشكلات التعليم لا يمكن أن تقتصر على ضمان مقعد دراسي، بل ينبغي أن تشمل ضمان شروط التعلم والاستمرار. لا يعيش جميع التلاميذ التجربة التعليمية ذاتها. فهناك من يجد في محيطه الأسري الدعم والمتابعة والوسائل التي تساعده على الدراسة، وهناك من يواجه صعوبات مادية أو اجتماعية تجعل الاستمرار في الدراسة تحديا يوميا.

قد يضطر التلميذ في منطقة قروية إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مؤسسته، وقد يجد آخر نفسه أمام صعوبة توفير الكتب واللوازم أو مصاريف التنقل، فيما يواجه بعض المتعلمين تحديات مرتبطة باللغة أو ضعف المكتسبات السابقة أو غياب الدعم التربوي، مما قد يؤدي إلى استحالة الاستمرار في مساره الدراسي.

وهكذا، لا يعود التفوق الدراسي مرتبطا بالاجتهاد والرغبة في التعلم وحدهما، بل يتأثر أيضا بالظروف التي تتيح للمتعلم أن يستثمر جهده. ومن هنا تظهر أهمية الإنصاف في التعليم، فالعدالة لا تعني أن نقدم للجميع الشيء نفسه، وإنما أن نراعي اختلاف الحاجيات والعوائق حتى تتاح للجميع فرص حقيقية للتعلم.

وهنا، في أكادير، تتجلى هذه الصورة بوضوح.إذا كانت المدرسة تشكل نقطة الانطلاق، فإن الجامعة تمثل بالنسبة إلى كثير من الشباب بداية مرحلة جديدة من الاستقلال والطموح، لكنها قد تتحول أيضا إلى تجربة مليئة بالتحديات. فالانتقال من التعليم الثانوي إلى التعليم العالي لا يقتصر على تغيير المؤسسة أو طريقة التدريس، بل يتطلب قدرة أكبر على التنظيم والتعلم الذاتي والتكيف مع محيط جديد.

ويجد عدد من الطلبة أنفسهم أمام صعوبات تتعلق بالاكتظاظ، وظروف الإيواء، والمنح، والتنقل، وضعف التأطير والتوجيه، وإكراهات كثيرة، فضلا عن صعوبة التوفيق بين الدراسة والالتزامات الأسرية أو الحاجة إلى العمل.

وتزداد هذه التحديات وضوحا لدى الطلبة القادمين من مناطق بعيدة أو من وسط فقير ومناطق مهمشة وأسر محدودة الدخل. فبالنسبة إلى بعضهم، لا يكون السؤال فقط: كيف أنجح في الامتحان؟ بل كيف أستطيع مواصلة الدراسة أصلا؟ خذ مثالا من جامعة ابن زهر بأكادير: طالب يأتي من طاطا أو ورزازات .

من اقليم تارودانت ليتابع دراسته في أكادير، يجد نفسه أمام معادلة صعبة. فمصاريف كراء غرفة صغيرة في حي الداخلة أو السلام قد تتراوح بين 800 و 1200 درهم شهريا وأغلبية الطلبة والطالبات يتقاسمون/ن نفس الغرفة لتوفير بعض المال، دون احتساب مصاريف الأكل والتنقل والنسخ, والمراجع .

فكيف يمكن لهذا الطالب أن يركز على البحث والدراسة، وهو يفكر كل شهر في كيفية تدبير المنحة في مصاريفه. دون ان ننسى ان بعض الطلبة يتقاسمون المنحة مع اسرهم بسبب الفقر. ومثال ثان: طالبة قادمة من منطقة قروية في مدينة شيشاوة ومن اسرة فقيرة، تضطر إلى التنقل يوميا الى مدينة خارج اكادير وتجد نفسها أمام مدرجات مكتظة، ونقص في التوجيه، وصعوبة في الحصول على مكان في الحي الجامعي.

وبدون منحة هنا، لا يصبح التعثر الدراسي مسألة اجتهاد فقط، بل نتيجة مباشرة لظروف لا يتحكم فيها الطالب. ولا يمكن فصل هذه الإشكالات عن جودة التكوين الجامعي وملاءمته للتحولات الاجتماعية والمهنية. فحين لا يجد الطالب توجيها يساعده على اختيار المسار المناسب، أو حين يكتشف أن ما يتلقاه من تكوين لا يمنحه المهارات التي يحتاجها، تتسع المسافة بين انتظاراته وما يعيشه داخل الجامعة..

من أكثر الاختزالات التي ينبغي تجاوزها تفسير تعثر الطالب بضعف الاجتهاد أو غياب الرغبة في الدراسة. صحيح أن مسؤولية التعلم تتطلب الجدية والمثابرة والانضباط، لكن هذه المسؤولية لا تلغي مسؤولية المؤسسات في توفير شروط التعلم والمواكبة والتوجيه. الطالب الذي يتعثر لا يحتاج دائما إلى خطاب يطالبه ببذل المزيد من الجهد، بل قد يحتاج إلى من يحدد معه أسباب التعثر، ويوفر له الدعم المناسب، ويساعده على استعادة ثقته بقدراته.

كما أن الانقطاع عن الدراسة لا ينبغي أن يقرأ باعتباره قرارا فرديا معزولا عن سياقه. فقد يكون نتيجة تراكم صعوبات مادية أو أسرية أو تربوية، أو حصيلة شعور متزايد بأن المؤسسة التعليمية لم تعد قادرة على الاستجابة لانتظارات المتعلم وحاجاته.

وهنا تبرز أهمية التوجيه المبكر، والدعم النفسي والتربوي، والإنصات إلى الطلبة، وتطوير آليات الوقاية من التعثر والانقطاع، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوعهما.إن إصلاح التعليم يبدأ أيضا من الإنصات إلى الطالب. وأي إصلاح تعليمي لا يجعل المتعلم في صلب اهتمامه يظل معرضا لأن يتحول إلى إصلاح للنصوص والبرامج والهياكل، دون أن ينعكس بالقدر المطلوب على تجربة التعلم نفسها.

فالطالب ليس مجرد مستفيد من خدمة تعليمية، بل هو طرف أساسي في العملية التعليمية، ومن حقه أن تكون له مساحة للتعبير عن الصعوبات التي يواجهها، والمشاركة في تقييم جودة التكوين وظروف الدراسة، واقتراح ما يمكن أن يجعل المؤسسة التعليمية أكثر قدرة على الاستجابة لحاجاته.ولا يعني ذلك إعفاء الطالب من مسؤوليته في الاجتهاد والمثابرة، وإنما بناء علاقة متوازنة بين مسؤولية المتعلم ومسؤولية المؤسسة، وبين الحق في التعليم والحق في تعلم ذي جودة.

قد ننجح في بناء المدارس وتوسيع الجامعات، وقد نراجع المناهج ونطلق برامج إصلاحية متعددة، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن كل هذه الجهود هو: هل أصبح الطالب اليوم أكثر قدرة على التعلم، وأكثر استعدادا لمواجهة تحديات الحياة، وأكثر ثقة في أن تعليمه يفتح أمامه آفاقا حقيقية؟

نجاح المنظومة التعليمية لا يقاس فقط بعدد المؤسسات والمقاعد الدراسية، ولا بعدد الشهادات التي تمنحها، بل بما تتركه في الإنسان من معرفة وقدرة على التفكير والاستقلال والمشاركة في المجتمع.فالمدرسة التي لا تنصت إلى تلميذها، والجامعة التي لا ترى في طالبها سوى رقم في لوائح التسجيل والامتحانات، قد تنجح في ضمان الحضور، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقق التعلم الذي هو أساس لبناء القدرات.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto