
الحكومة المغربية، بين تغيير المسار ومواصلة السياسات السابقة، أمام امتحان الواقع..
أكادير اليوم – تجد الحكومة المغربية نفسها أمام معادلة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة، عنوانها الأبرز: هل تستطيع إحداث تغيير حقيقي في السياسات العمومية، أم أنها ستكتفي بمواصلة المسار الذي رسمته الحكومة السابقة، مع بعض التعديلات في الخطاب والأولويات؟
وبين خيار الاستمرارية ورهان التغيير، يظل المواطن المغربي، وخاصة المنتمي إلى الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل، منشغلاً بسؤال أكثر إلحاحاً: متى تنخفض الأسعار، ومتى تتحسن القدرة الشرائية، ومتى تنعكس المؤشرات الاقتصادية على حياته اليومية؟
إن التحدي الذي تواجهه الحكومة لا يتعلق فقط بمدى قدرتها على تدبير الملفات الاقتصادية الكبرى، أو مواصلة الأوراش الاستراتيجية التي أطلقتها الدولة، بل يرتبط أساساً بقدرتها على إعادة الثقة إلى المواطن الذي أصبح يقيس نجاح السياسات العمومية بما يتبقى من أجره أو دخله في نهاية الشهر، وليس بحجم الاستثمارات المعلنة أو الأرقام الواردة في التقارير الحكومية.
تغيير الأغلبية لا يعني بالضرورة تغيير السياسات
مع التحولات التي عرفها المشهد الحكومي المغربي، برز خطاب سياسي يتحدث عن مرحلة جديدة تستوجب تصحيح الاختلالات وإعادة ترتيب الأولويات. غير أن السؤال الجوهري يبقى مرتبطاً بطبيعة هذا التغيير وحدوده.
فالحكومة الجديدة لا تبدأ من فراغ، بل ترث مجموعة من الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، فضلاً عن أوراش كبرى تتطلب الاستمرارية في التنفيذ، من تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومتين الصحية والتعليمية إلى تطوير البنيات التحتية والاستعداد للاستحقاقات الدولية المقبلة.
لكن الاستمرارية في المشاريع الاستراتيجية لا ينبغي أن تتحول إلى استمرارية في الأخطاء، كما أن تغيير الوجوه السياسية لا يكفي لإقناع المواطنين بوجود تحول حقيقي في طريقة تدبير الشأن العام.
وإذا كانت الحكومة السابقة قد واجهت انتقادات بشأن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية، فإن الحكومة الحالية مطالبة بإظهار ما الذي ستفعله بصورة مختلفة، وما الإجراءات التي ستتخذها لمعالجة الاختلالات التي أثارت استياء قطاعات واسعة من المواطنين.
إن المطلوب ليس القطيعة مع كل ما تحقق، وإنما التمييز بين المشاريع التي تستحق المواصلة والسياسات التي تحتاج إلى مراجعة جريئة.
غلاء المعيشة.. المشكلة التي لا تحلها الأرقام وحدها
يشكل ارتفاع تكاليف المعيشة أحد أكبر التحديات الاجتماعية التي تواجه الأسر المغربية. فالضغط لا يقتصر على أسعار المواد الغذائية، بل يمتد إلى السكن والنقل والعلاج والتعليم والخدمات الأساسية.
وقد أصبح المواطن يشعر بأن دخله لم يعد يواكب مستوى النفقات اليومية، وأن أي زيادة في الأجور أو تحسين محدود في المداخيل سرعان ما تبتلعه المصاريف المتراكمة.
ومن الضروري هنا التمييز بين التضخم وغلاء المعيشة. فقد يتراجع معدل التضخم، أي وتيرة ارتفاع الأسعار، دون أن يعني ذلك عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة. وهو ما يفسر استمرار شعور المواطنين بالضغط على قدرتهم الشرائية حتى عندما تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تباطؤ التضخم.
فالعائلة المغربية لا تشتري نسبة التضخم، بل تشتري الخضر واللحوم والزيوت والحليب، وتؤدي فواتير الماء والكهرباء، وتتحمل مصاريف التمدرس والتطبيب والتنقل.
ومن ثم، فإن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يقاس فقط باستقرار المؤشرات المالية والنقدية، وإنما أيضاً بمدى تحسن القدرة الفعلية للأسر على تلبية حاجياتها الأساسية.
الطبقة الوسطى.. الحلقة الأكثر تعرضاً للضغط
إذا كانت الفئات الهشة تعاني بصورة مباشرة من محدودية الدخل، فإن الطبقة الوسطى تواجه بدورها تآكلاً متواصلاً في قدرتها على الادخار والاستهلاك.
فالموظف والأستاذ والصحفي والتاجر الصغير وصاحب المقاولة المتوسطة يجدون أنفسهم أمام ارتفاع مستمر في الالتزامات المالية، في وقت لا تتطور فيه المداخيل بالوتيرة نفسها.
وتزداد هذه الضغوط بالنسبة إلى الأسر التي تتحمل قروض السكن، ومصاريف دراسة الأبناء، وتكاليف العلاج، أو تساعد أفراداً آخرين من العائلة.
والواقع أن إضعاف الطبقة الوسطى لا يمثل مشكلة اجتماعية فحسب، بل ينعكس أيضاً على النشاط الاقتصادي، باعتبارها قوة أساسية في الاستهلاك والاستثمار الصغير والاستقرار الاجتماعي.
ولهذا فإن أي سياسة حكومية تستهدف إنعاش الاقتصاد دون حماية القدرة الشرائية لهذه الفئة ستظل محدودة الأثر.
الأرقام الرسمية تؤكد أن معركة الأسعار لم تنته
تظهر آخر المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط أن الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك ارتفع بنسبة 1 في المائة خلال شتنبر 2026 مقارنة بغشت، مدفوعاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة 1.6 في المائة.
والأكثر دلالة أن أسعار اللحوم والخضر سجلت ارتفاعاً شهرياً بلغ 4.3 في المائة لكل منهما، بينما ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 2 في المائة. وفي المقابل، لم يتجاوز ارتفاع المؤشر العام للأسعار 0.5 في المائة مقارنة بشتنبر من السنة الماضية.
هذه المفارقة تكشف الفرق بين القراءة الإحصائية للظرفية الاقتصادية والتجربة اليومية للمواطن. فالتضخم السنوي المحدود لا يلغي الزيادات السابقة، ولا يعني بالضرورة أن المواد الأساسية أصبحت في متناول الأسر.
كما توقع بنك المغرب، في شتنبر الماضي، أن يبلغ متوسط التضخم 0.7 في المائة خلال 2026، مع الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند 2.25 في المائة. وهي مؤشرات توحي باستقرار نسبي على المستوى النقدي، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى الرفاه الاجتماعي. SNRT News
من يتحمل مسؤولية ارتفاع الأسعار؟
لا يمكن تحميل الحكومة وحدها مسؤولية جميع التقلبات التي تعرفها الأسواق، فهناك عوامل خارجية مرتبطة بأسعار الطاقة والمواد الأولية، وأخرى داخلية تتعلق بالجفاف وتكاليف الإنتاج والنقل وتراجع العرض في بعض القطاعات.
لكن الاعتراف بهذه العوامل لا يعفي السلطة التنفيذية من مسؤوليتها في حماية المنافسة، ومراقبة الأسواق، والتصدي للممارسات الاحتكارية والمضاربات غير المشروعة، وضمان وصول الدعم العمومي إلى مستحقيه.
ومن الأسئلة التي تستحق جواباً واضحاً: لماذا لا ينعكس انخفاض أسعار بعض المواد في الأسواق الدولية بالسرعة نفسها على الأسعار المحلية؟ وما مدى تأثير تعدد الوسطاء على أثمان المنتجات الفلاحية؟ وهل تؤدي آليات المراقبة والمنافسة دورها بالفعالية المطلوبة؟
إن هذه التساؤلات لا تعني اتهام جميع الفاعلين الاقتصاديين بالمضاربة، وإنما تستدعي تحقيقاً مؤسساتياً وتقييماً موضوعياً لسلاسل الإنتاج والتوزيع وهوامش الربح.
سوس ماسة.. مفارقة الإنتاج الفلاحي وارتفاع الأسعار
تقدم جهة سوس ماسة مثالاً واضحاً على تعقيد هذه الإشكالية. فهي من أهم الأقطاب الفلاحية بالمغرب، وتساهم في تزويد الأسواق الوطنية والخارجية بالخضر والفواكه، ومع ذلك لا يشعر المستهلك المحلي دائماً بامتياز القرب من مناطق الإنتاج.
فالمواطن في أكادير وإنزكان وأيت ملول وتارودانت يواجه بدوره تقلبات أسعار الخضر والفواكه والمواد الغذائية، رغم وجود إنتاج فلاحي مهم بالجهة.
وتطرح هذه المفارقة أسئلة حول تنظيم أسواق الجملة، وتكاليف النقل، ودور الوسطاء، وتوازن التصدير مع حاجيات السوق الداخلية، فضلاً عن انعكاسات ندرة المياه وارتفاع تكاليف المدخلات الفلاحية.
ولا يمكن معالجة هذه الإشكالية بمجرد مطالبة الفلاح بتخفيض الأسعار، خصوصاً أن الفلاح الصغير يعاني بدوره من ارتفاع تكاليف الإنتاج. المطلوب مقاربة متكاملة تحمي المنتج والمستهلك في الوقت نفسه.
هل تستطيع الحكومة الجديدة تغيير قواعد التدبير؟
إن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يكمن في إعلان برامج اجتماعية جديدة فحسب، بل في مراجعة الطريقة التي تصاغ بها السياسات العمومية وتنفذ وتقيم نتائجها.
فالمغاربة ينتظرون إجراءات ملموسة تتعلق بتحسين الدخل، وتوفير فرص الشغل، وتجويد الخدمات الصحية والتعليمية، وتيسير الولوج إلى السكن، وتخفيف الأعباء المالية على الأسر.
كما ينتظرون حكامة أكثر صرامة في تدبير الدعم العمومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص بين المقاولات والمواطنين، بعيداً عن منطق الامتيازات والولاءات.
ولا ينبغي أن تتحول الاستثمارات الكبرى إلى غاية في حد ذاتها، بل يجب أن تكون وسيلة لإحداث فرص الشغل وتوزيع ثمار التنمية بصورة أكثر عدلاً.
وفي هذا السياق، تصبح العدالة المجالية جزءاً أساسياً من العدالة الاجتماعية، لأن المواطن في القرى والمناطق الجبلية لا يواجه فقط ارتفاع الأسعار، وإنما يتحمل أيضاً تكاليف إضافية مرتبطة ببعد الخدمات وضعف النقل وصعوبة الولوج إلى العلاج والتعليم.
الاستمرارية مطلوبة.. ولكن ليس على حساب التصحيح
من الطبيعي أن تواصل الحكومة المشاريع الاستراتيجية التي تخدم المصالح العليا للمملكة، وأن تحافظ على الالتزامات الاقتصادية والمالية للدولة. فالسياسات العمومية لا ينبغي أن تتغير جذرياً مع كل تعديل في الأغلبية الحكومية.
غير أن الاستمرارية تصبح إشكالية عندما تستخدم لتبرير الاختلالات أو تأجيل الإصلاحات الضرورية.
فالحكومة مطالبة اليوم بتقديم أجوبة دقيقة عن ثلاثة أسئلة أساسية: ما الذي ستواصله من سياسات الحكومة السابقة؟ وما الذي ستراجعه أو تتخلى عنه؟ وما النتائج الاجتماعية التي تلتزم بتحقيقها خلال مدة زمنية محددة؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة بأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات معلنة، وآليات للمحاسبة، ستكون أكثر إقناعاً من الاكتفاء بالتصريحات السياسية العامة.
الخلاصة.. المواطن لا ينتظر تغيير الشعارات بل تغيير واقعه
إن الحكومة المغربية تقف أمام امتحان سياسي واجتماعي يتجاوز حسابات الأغلبية والمعارضة. فالمواطن الذي يواجه صعوبات في تغطية مصاريف أسرته لا يعنيه كثيراً من كان مسؤولاً عن القرار السابق، بقدر ما يعنيه من سيتحمل مسؤولية تصحيح الوضع الحالي.
وقد تستطيع الحكومة تقديم مؤشرات إيجابية عن النمو والاستثمار والتوازنات المالية، لكن هذه النتائج ستظل ناقصة ما لم تتحول إلى تحسن ملموس في الدخل وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية.
إن المغرب يحتاج إلى استمرارية في أوراشه الاستراتيجية، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى شجاعة سياسية في مراجعة الاختيارات التي لم تحقق النتائج الاجتماعية المنتظرة.
والسؤال الذي سيظل يلاحق الحكومة ليس فقط: هل غيرت المسار أم واصلته؟ بل الأهم: هل استطاعت أن تجعل حياة غالبية المغاربة أفضل مما كانت عليه؟
ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح أي حكومة، وهو أيضاً الامتحان الذي لا تستطيع الخطابات السياسية ولا الأرقام الاقتصادية وحدها أن تحسم نتائجه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



