
وااا… عطاف.. صمتك أبلغ اعتراف بالهزيمة.. !
حضرة السيد أحمد عطاف
خرجتم علينا السنة الماضية في مؤتمر صحفي عُقد عشية صدور القرار الأممي 2797 بنبرة الواثق من انتصار دبلوماسي وشيك وبشيء من الاستعلاء الذي أوحى يومها بأنكم تمسكون بمفاتيح الملف وأن الدبلوماسية المغربية باتت على وشك تلقي ضربة موجعة.
وقلتم بالحرف في معرض حديثكم عن بعثة المينورسو بالصحراء الغربية:
( إن مجرد وجودها يرمز إلى أن هناك وضعاً استعمارياً وإن هذا الوضع متكفل به من طرف الأمم المتحدة وإن البعثة تتواجد بهدف تنظيم الاستفتاء وتقرير مصير الشعب الصحراوي ولهذه الأسباب فإن المغرب غير راضٍ عن وجود المينورسو ويعمل ليل نهار من أجل طردها من الصحراء الغربية)
كان خطابكم يومها مشحوناً بالثقة وكأنكم أردتم أن تجعلوا من ذلك التصريح انتصاراً دبلوماسياً مسبقاً وأن تفرضوا على الجميع قراءة أحادية لمآلات الملف.
لكن يبدو أنكم استعجلتم الاحتفال قبل أن تتضح نتائج المعركة فالتاريخ لا يرحم من يخلط بين الأمنيات والوقائع ولا بين الضجيج الدبلوماسي والانتصارات الحقيقية.
لكن أين اختفى هذا الصوت؟ وأين ذهبت تلك الثقة.. ؟
لقد كانت الصحافة المحلية والدولية تنتظر إطلالتكم المعتادة عقب اجتماع مجلس الأمن الأخير لتسمع منكم ما اعتدنا عليه من شروحات ومواقف وتصريحات بشأن تطورات القضية. غير أن المفاجأة لم تكن في ما قلتم بل في ما لم تقولوه.. فقد اختفى التصريح السابق من البوابة الرسمية لوزارة الخارجية وحل محله صمت مطبق بدا وكأنه أبلغ من كل البيانات والتوضيحات.
فما الذي حدث يا سيد عطاف؟ وكيف انتقلتم من الجزم بأن المينورسو تجسد وضعاً استعمارياً وتقريراً للمصير إلى هذا الصمت الذي طال أمده.. ؟ أهي مراجعة للمواقف؟ أم أن نتائج التطورات الأممية بمغادرة بعثة المينورسو لاقاليمنا الجنوبية جعلت إعادة إنتاج الخطاب السابق أمراً بالغ الصعوبة.. ؟
إن الصمت في السياسة، ليس دائماً علامة حكمة أو اختياراً تكتيكياً.. فقد يكون أحياناً أبلغ أشكال الاعتراف حين تعجز الكلمات عن الدفاع عن المواقف السابقة.
وصمتكم هذه المرة يطرح أكثر من علامة استفهام خصوصاً أنه جاء بعد خطاب مرتفع السقف وبعد رهانات دبلوماسية لم تسر على ما يبدو وفق الحسابات التي وضعتموها.
لقد ظللتم طيلة هذه السنة تحشدون كل ما تملكون من إمكانات دبلوماسية ومالية لمحاولة التأثير في الموقف الأمريكي أملاً في تغيير مسار الملف لكن تلك المساعي لم تحقق النتائج التي كنتم تتطلعون إليها. وحين ضاقت هوامش المناورة اتجهتم إلى الرهان على الورقة الروسية مستندين إلى ورقة (الفيتو) في محاولة جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أطروحاتكم التقليدية.خاصة بقاء المينورسو
والمفارقة أن هذا الارتهان للحسابات الروسية يطرح تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع ما دأبتم على ترديده بشأن استقلالية القرار الجزائري وعقيدة جيشه المستمدة من إرث ثورة التحرير. بل إن ما يُثار بشأن توظيف النفوذ الروسي في منطقة الساحل وما يرتبط به من حسابات في النيجر يفتح الباب أمام تساؤلات محرجة منها حسب وكالات انباء متعددة أن الجيش الجزائري قد يكون بديلا لمرتزقة فاغنر بالنيجر
كل ذلك من أجل ماذا ؟ من أجل التمسك بحرف الراء في كلمة المينورسو والإبقاء على أطروحة تقرير المصير بصيغتها التي ظلت الدبلوماسية الجزائرية تدافع عنها
لكن التطورات الأممية الأخيرة جاءت لتضع رهاناتكم أمام اختبار صعب وتكشف الهوة الواسعة بين سقف التصريحات والنتائج السياسية. وهنا تحديداً يصبح صمتكم أكثر دلالة من أي خطاب فلو كانت الحصيلة انتصاراً لما ترددتم في الخروج للاحتفال به إعلامياً ولما غاب صوتكم في لحظة كنتم في أمسّ الحاجة فيها إلى تبرير مواقف الأمس.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أنكم منحتمونا بصمتكم هذا مادة سياسية وإعلامية لم تكن تحتاج إلى مؤتمر صحفي ولا إلى بيان رسمي فبعد كل ذلك الضجيج جاء الصمت ليختصر الحكاية برمتها… لقد انهزمتم
ويبقى الدرس الأبرز في هذه الملهاة الدبلوماسية أن السياسة لا تُقاس بعلو الأصوات ولا بكثرة التصريحات وإنما بقدرة المواقف على الصمود أمام امتحان الواقع. وقد أثبتت التجارب مراراً أن النظام الجزائري، كلما اعتقد أنه استعمل العقل يجد نفسه يطلق النار على رجليه
لذلك لن نطالبكم اليوم بخطاب جديد ولا بتبرير طويل ولا حتى بمؤتمر صحفي آخر
فصمتكم أبلغ من كل ذلك.
لقد قلتم بالأمس ما أردتم قوله
لكنكم اليوم بصمتكم، تقولون ما لم تجرؤوا على قوله بالأمس.
لذلك أدعوك بكل صدق إنساني أن تفكر في تقاعدك
مع تحياتي
يوسف غريب كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



