
هل انهزم دونالد ترامب فعلاً؟
- أكادير اليوم – الحسن باكريم //
لم يكن الثلاثاء 3 نونبر 2026 يوماً انتخابياً عادياً في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تحولت الانتخابات النصفية، التي يفترض أن تكون مناسبة لتجديد أعضاء الكونغرس واختيار عدد من حكام الولايات، إلى اختبار سياسي واسع لسياسات الرئيس دونالد ترامب، بعد عامين من عودته إلى البيت الأبيض.
وقد جاءت النتائج لتكشف عن تحول مهم في موازين القوى داخل المؤسسات الأمريكية، بعدما تمكن الحزب الديمقراطي من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب تحقيق مكاسب في انتخابات حكام الولايات، بما فيها ولايات ظلت لسنوات محسوبة على الجمهوريين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تعني هذه النتائج هزيمة ترامب شخصياً، أم أنها تعبير عن رفض جزء واسع من الناخبين لبعض سياساته، دون أن يعني ذلك نهاية حضوره في الحياة السياسية الأمريكية؟
“ثلاثاء ترامب”… حين تتحول الانتخابات إلى استفتاء على الرئيس
في مقال بعنوان «الذهول»، نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» يوم الخميس 5 نونبر، اختار الكاتب والصحفي اللبناني سمير عطا الله مقاربة أدبية وسياسية لما جرى في الولايات المتحدة.
فقد اعتبر أن الانتخابات تجاوزت التنافس التقليدي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، لتتحول إلى استفتاء على شخصية ترامب وطريقة ممارسته السلطة.
ويستحضر عطا الله في مقاله اتساع دائرة المعارضين لسياسات الرئيس الأمريكي، من المهاجرين واللاتينيين إلى أطراف دولية تضررت علاقاتها بواشنطن نتيجة خيارات إدارته.
غير أن هذا التصوير، على قوته البلاغية، يحتاج إلى تمييز أساسي: فالانتخابات الأمريكية جرت بأصوات الناخبين الأمريكيين المؤهلين، ولم تكن اقتراعاً عالمياً شاركت فيه الشعوب أو الدول المتضررة من سياسات ترامب.
ومع ذلك، فإن ما قصده الكاتب يعكس حقيقة سياسية أوسع، تتمثل في أن القرارات الصادرة عن البيت الأبيض لم تعد شأناً أمريكياً داخلياً، بل أصبحت تؤثر في الاقتصاد العالمي والعلاقات التجارية والتحالفات الدولية وقضايا الهجرة والأمن.
الديمقراطيون يستعيدون الكونغرس… ماذا تغير؟
تكمن أهمية نتائج انتخابات الثالث من نونبر في انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين.
وهذا التحول يمنح المعارضة الأمريكية أدوات مؤسساتية جديدة، أبرزها القدرة على التأثير في التشريعات والميزانية، وممارسة الرقابة البرلمانية، وفتح تحقيقات بشأن أداء الإدارة الأمريكية.
كما سجل الديمقراطيون نتائج لافتة في انتخابات حكام الولايات، خصوصاً في تكساس وجورجيا وأوهايو وآيوا، وهي نتائج تعكس اتساع المنافسة الحزبية إلى مناطق كانت تعد معاقل انتخابية للجمهوريين.
لكن هذه التطورات لا تعني أن ترامب فقد منصبه الرئاسي. فالانتخابات النصفية لا تختار رئيساً جديداً للولايات المتحدة، ولا تنهي تلقائياً ولاية الرئيس القائم.
وما تغير هو ميزان السلطة بين البيت الأبيض والكونغرس، بما قد يجعل تنفيذ بعض المبادرات التشريعية للرئيس أكثر تعقيداً، ويفرض عليه التعامل مع معارضة تتمتع بصلاحيات أوسع.
الاقتصاد والهجرة والحرب… ملفات أثقلت المشهد الانتخابي
تشير التغطيات الصحفية الأمريكية والدولية إلى أن القضايا الاقتصادية كانت حاضرة بقوة في خيارات الناخبين، خصوصاً ارتفاع تكاليف المعيشة والأسعار والقلق بشأن القدرة الشرائية.
كما برزت سياسات الهجرة والإجراءات المرتبطة بها، إلى جانب تداعيات الحرب مع إيران، ضمن القضايا التي أثارت خلافات سياسية وانتقادات لإدارة ترامب.
وقد ربطت تحليلات نشرتها وكالة رويترز بين مكاسب الديمقراطيين وتزايد استياء قطاعات من الناخبين من الأوضاع الاقتصادية والسياسات الخارجية والداخلية للإدارة.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال تصويت ملايين الأمريكيين في سبب واحد، لأن الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تختلف من ولاية إلى أخرى، ومن فئة انتخابية إلى أخرى.
هل خسر ترامب أم خسر الجمهوريون؟
هنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من النتائج. فعلى المستوى الانتخابي، خسر الحزب الجمهوري سيطرته على الكونغرس، وهو تحول مؤسساتي واضح.
وعلى المستوى السياسي، كشفت النتائج عن صعوبات تواجه الإدارة الأمريكية في إقناع قطاعات من الناخبين بجدوى سياساتها.
أما على المستوى الشخصي، فلا يمكن اعتبار الانتخابات نهاية المسار السياسي لترامب، الذي ما زال يحتفظ بصلاحيات الرئاسة الدستورية، بما فيها صلاحيات تنفيذية وحق الاعتراض على التشريعات وفق الضوابط الدستورية.
وقد رفض ترامب، بحسب تغطية وكالة أسوشيتد برس، اعتبار النتائج هزيمة شخصية له، وأرجع جانباً منها إلى أداء المرشحين الجمهوريين، مؤكداً استعداده لمواجهة التشريعات الديمقراطية باستخدام صلاحياته الرئاسية.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد توتراً متزايداً بين البيت الأبيض والكونغرس، في ملفات الميزانية والهجرة والسياسة الخارجية والرقابة على الإدارة.
هل تتغير سياسة واشنطن تجاه المغرب والعالم؟
بالنسبة إلى المغرب، تطرح نتائج الانتخابات الأمريكية تساؤلات بشأن مستقبل العلاقات مع واشنطن، خصوصاً في ملفات التعاون الاقتصادي والأمني والدبلوماسي، وقضية الصحراء المغربية.
فانتقال الأغلبية داخل الكونغرس قد يؤثر في النقاشات المتعلقة بالمساعدات الخارجية والاتفاقيات التجارية والاعتمادات المالية، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً فورياً في المواقف الدبلوماسية الأمريكية.
كما أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة لا يحددها الرئيس وحده، بل تتداخل فيها صلاحيات الإدارة والكونغرس ومواقف المؤسسات المختلفة.
ومن ثم، فإن قراءة نتائج الانتخابات من منظور المصالح المغربية تقتضي متابعة القرارات الفعلية التي ستصدر عن المؤسسات الأمريكية، بدلاً من افتراض أن تغير الأغلبية الحزبية سيؤدي تلقائياً إلى مراجعة العلاقات الثنائية.
ترامب بعد الثلاثاء… سلطة رئاسية ومعارضة برلمانية
يمكن فهم ما حدث في الثالث من نونبر باعتباره تحولاً في العلاقة بين الرئاسة الأمريكية والمؤسسات التشريعية.
فالديمقراطيون أصبحوا يمتلكون وسائل أقوى لمساءلة الإدارة والتأثير في أولوياتها، بينما يظل ترامب رئيساً يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة، وإن كانت ممارستها ستجري في سياق سياسي مختلف.
وفي المقابل، سيكون على الديمقراطيين تحويل مكاسبهم الانتخابية إلى عمل مؤسساتي قادر على تقديم بدائل في القضايا التي تشغل الأمريكيين، وفي مقدمتها الاقتصاد والهجرة والأمن.
أما الجمهوريون، فسيواجهون نقاشاً داخلياً بشأن أسباب خسارة الأغلبية، ومدى ارتباط نتائج مرشحيهم بصورة الرئيس وسياساته.
الخلاصة: هزيمة انتخابية لا تعني نهاية سياسية
لقد أظهرت انتخابات الثلاثاء أن سلطة الرئيس الأمريكي ليست مطلقة، وأن الناخبين يستطيعون إعادة توزيع موازين القوة داخل المؤسسات، حتى في منتصف الولاية الرئاسية.
لكن وصف ما جرى بأنه هزيمة نهائية لترامب يتجاوز ما تسمح به الوقائع الدستورية والسياسية.
فالنتائج تؤكد خسارة الجمهوريين للأغلبية البرلمانية، وتكشف عن اعتراض انتخابي واسع على سياسات الإدارة، لكنها لا تحسم وحدها مستقبل ترامب السياسي أو طبيعة القرارات التي سيتخذها خلال ما تبقى من ولايته.
ولعل القيمة الأعمق لهذه الانتخابات تكمن في إعادة طرح السؤال القديم المتجدد داخل الديمقراطية الأمريكية: إلى أي حد تستطيع المؤسسات والناخبون التأثير في توجهات رئيس يمتلك سلطة تنفيذية واسعة؟
إنها مرحلة جديدة من التوازنات والصراعات السياسية في واشنطن، ستكون نتائجها مرتبطة بما سيحدث داخل الكونغرس والبيت الأبيض خلال الأشهر المقبلة.
مصادر القراءة: مقال سمير عطا الله «الذهول»، الشرق الأوسط، 5 نونبر 2026؛ وكالة أسوشيتد برس؛ وكالة رويترز؛ لوموند؛ والتغطيات الانتخابية الأمريكية بتاريخ 3 و4 نونبر 2026.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News


