
المينورسو ترحل من أرضنا.. فهل يعرف شباب اليوم كم كلفنا الوصول إلى هنا..!؟
ونحن نتابع اليوم مشهد إنزال علم بعثة “المينورسو” عقب القرار الأممي المتعلق بإنهاء وجودها في أقاليمنا الجنوبية لا ينبغي أن ننظر إلىه باعتباره مجرد إجراء أممي أو تطور سياسي عابر.. بل علينا أن نقرأه بعين التاريخ وخفقات قلب الوطن.
فبين لحظة وصول هذه البعثة سنة 1991 ولحظة اليوم مسافة لا تُقاس بالسنوات وحدها بل بآلاف الحكايات.. حكايات الصمود والمعاناة والتضحية.
فحين جاءت المينورسو إلى الصحراء سنة 1991 لم يكن المغرب في الموقع الذي يقف فيه اليوم.
كانت البلاد تعيش مرحلة دقيقة تحاصرها إكراهات الحرب وضغوط السياسة وتحديات الاقتصاد…
وكان وقف إطلاق النار وتجميد المواجهة يتيحان للمغرب هامشاً زمنياً ضرورياً لالتقاط الأنفاس وترسيخ معادلاته الدفاعية واستكمال بناء الجدار الأمني الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز التحولات في ميزان القوة الميداني.
كانت بلادنا تخوض معركة على أكثر من جبهة:
جبهة الدفاع عن الأرض وجبهة حماية التوازن الاقتصادي وجبهة صون استقرار مجتمع أنهكته سنوات المواجهة والجفاف والمديونية.
ولكي يدرك شباب اليوم معنى هذه اللحظة ودلالتها عليه أن يستحضر أن وراءها ذاكرة ثقيلة من المعاناة نتيجة سنوات التقشف والجفاف الهيكلي إذ تقلصت فرص الشغل واشتدت وطأة الأسعار وتأثرت قطاعات التعليم والصحة والبنيات التحتية بإكراهات المرحلة.
كان المواطن البسيط يؤدي نصيبه من فاتورة الصمود بصمت وكبرياء يقتطع من حاجياته ويؤجل بعض أحلامه ويشد على جراحه لأن هناك قضية أكبر من تفاصيل يومه ووطناً لا يقبل أن يكون نصفه بعيداً عن قلبه.
ولم يكن تحذير الملك الراحل الحسن الثاني من بلوغ المغرب مرحلة (السكتة القلبية) مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي بل كان صرخة ملك أدرك حجم الاختناق الاقتصادي والاجتماعي الذي بلغته البلاد.
لكن هناك من دفع الثمن من دمه..
وهنا تنحني الكلمات إجلالاً ويقف القلم عاجزاً أمام ذاكرة الشهداء والمرابطين من أبناء القوات المسلحة الملكية والقوات المساعدة والدرك الحربي.. أولئك الذين لم تكن الصحراء بالنسبة إليهم مجرد مساحة جغرافية بل أمانة معلقة على أعناقهم فواجهوا قسوة المناخ ووحشة التضاريس ومخاطر المواجهة.
سنوات طويلة من السهر في الخنادق وليالٍ يختلط فيها برد الصحراء بحرارة الانتظار وأيام لا يعرف فيها الجندي متى يعود إلى أسرته ولا إن كان سيعود أصلاً.
بالأمس كانت بلادنا تناور الزمن وتدبر ضغوط المرحلة وتبحث عن هوامش للحركة وسط إكراهات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية معقدة.
واليوم أصبحت تصنع الزمن ولا تنتظره.. وتدير موازين القوة من موقع أكثر رسوخاً وثقة.. وتمتلك أوراقاً سياسية ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية أوسع تتيح لها هامشاً أكبر للمبادرة والتحرك.
نعم..
وبين الأمس واليوم حكاية شعب لم يتخلَّ عن أرضه وجيش لم يتراجع عن واجبه وملك ومؤسسات وشعب واصلوا الدفاع عن وحدتهم الترابية عبر مسارات متعددة.
فسلامٌ على أرواح الشهداء الذين سبقونا إلى المجد وسلامٌ على المرابطين الذين لا يزالون يسهرون على أمن الوطن وتحية لكل أم وزوجة وأب وطفل دفعوا من أعمارهم ثمن الانتظار.
ذلك هو الدرس الأعمق من حكاية الصحراء المغربية:
قد تتغير الظروف.. وقد تتبدل المواقع.. وقد تتغير أدوات المعركة..
لكن الأمانة تبقى واحدة:
وطن لا ينسى..
وأرض لا يُفرّط فيها..
وذاكرة لا تخون شهداءها.
يوسف غريب
كاتب صحفي
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



