الرأيالعالم اليوم

من قاعة مقصلة الفيتو إلى قاعة التصويت الديمقراطي الأممي

حين وقفت عقارب الساعة في مجلس الأمن وتجلت تجاذبات الفيتو وحسابات القوى الكبرى آخرها هذا الصباح قرار الأمين العام بانطلاق تصفية بعثة المينورسو بدأ التفكير في تفعيل قرار (الاتحاد من أجل السلم) الذي لا يمثل مجرد مخرج إجرائي لأزمة انسداد فحسب بل يفتح أفقاً أممياً جديداً يعيد تشكيل توازنات الدبلوماسية الدولية إذ ينقل الملف برمته من قاعة الفيتو الضيقة في مجلس الأمن إلى قاعة التصويت الديمقراطي الأممي العلني في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وهنا بالتحديد تجسد الدبلوماسية المغربية عبقريتها الاستراتيجية بعدما استطاعت بكل اقتدار تحويل مقصلة الفيتو من أداة حوار وشلل إلى فرصة جيوسياسية سانحة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك الأممي. وكما يُفهم بوضوح من الإشارة الملكية التي ركزت على أن أكثر من ثلثي دول العالم تعترف بمغربية الصحراء وتدعم المبادرة المغربية تشكل المرتكز الصلب والمحدد الحاسـم لهذه المعركة.
إن هذه الإشارة ليست مجرد تذكير برصيد عددي بل هي إعلان جاهزية سياسية واستراتيجية مفادها أن نقل الملف إلى الجمعية العامة لا يربك المغرب بل يضعه في ملعبه الطبيعي بين أغلبية دولية ساحقة تزن أكثر من ثلثي المنظومة الأممية.
ولكي يكون القارئ على بينة من المسار الإجرائي لهذا التحول فإن نقل الملف يستند إلى آلية قانونية دقيقة نص عليها القرار 377A. فعندما يصاب مجلس الأمن بالشلل والعجز عن القيام بمسؤوليته الرئيسية بسبب التعطيل بالفيتو، يُفتح المجال فوراً لدعوة الجمعية العامة للانعقاد في دورة استثنائية طارئة خلال 24 ساعة.
ويتم هذا الانتقال إما بطلب من أي تسعة أعضاء)( متوفر وأكثر) في مجلس الأمن نفسه أو بطلب من أغلبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لتتحول السلسلة الإجرائية من قبضة الدول الخمس الدائمة إلى المحفل الجامع لكافة دول العالم.
ورغم أن التوصيات الصادرة عن الجمعية العامة بموجب قرار (الاتحاد من أجل السلم) تفتقر إلى القوة القسرية المباشرة لقرارات الفصل السابع، إلا أنها تملك في هذه الحالة قوة التأثير الأخلاقي والدبلوماسي الأعلى. والحالة هاته، يكون ثبات سيادتنا على الأرض مقترناً في الجمعية العامة بشرعية دولية عارمة تترجمها تلك الأغلبية المطلقة من الدول الأعضاء، مما يحوّل أي موقف معطل في مجلس الأمن إلى نشاز سياسي وعزلة جيوسياسية لصاحبه.
وهكذا يتحول في حال اعتماد قرار (الاتحاد من أجل السلم) بفضل هذه الرؤية المغربية الذكية إلى أداة تكرس الالتفاف الدولي حول الطرح المغربي وتؤكد أن شرعية الحق المؤيدة بأكثر من ثلثي العالم هي الأقوى والأبقى من مجرد مناورات الفيتو الضيقة.
فلا شك أن الايام القادمة ستجعلنا معتزين بهذه المدرسة المغربية في الدبلوماسية الدولية..
مدرسة راسخة لا تبحث عن الضجيج بل تراهن على نفس طويل وعدالة قضية. دبلوماسية تثبت بهدوء وثقة أن الحقائق الراسخة على الأرض حين تحرسها شرعية ثلثي العالم وأكثر.. تظل أبد الدهر أقوى من كل جدران العجز ومناورات الفيتو.

يوسف غريب كاتب صحفي

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
dentotodentotodentotodentotodentotodentoto