
الأحرار قبل المؤتمر الوطني: إعادة ترتيب البيت الداخلي واستعادة الوهج التنظيمي من القواعد :سوس ماسة نموذجا
- بقلم الدكتور جمال العزيز //
في مقال سابق بعنوان التجمع الوطني للأحرار بين إكراهات المعارضة وضرورة التصحيح التنظيمي: حين يصبح الوفاء للمسار شجاعة في المراجعة، حاولنا أن نضع النقاش حول مستقبل الحزب في سياقه الطبيعي، بعيدا عن منطق جلد الذات أو التنكر لما تحقق، وبعيدا كذلك عن الدفاع غير المشروط عن اختلالات أظهرتها الممارسة التنظيمية خلال السنوات الماضية. وكانت الفكرة الأساسية أن الوفاء الحقيقي للمشروع الحزبي يعتبر شجاعة سياسية من أجل التصحيح والمراجعة.
واليوم، ونحن على بعد أسابيع من المؤتمر الوطني، يبدو أن النقاش ينبغي أن يكون فرصة سياسية وتنظيمية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، واستعادة الثقة، وإطلاق تعاقد جديد بين القيادة والهياكل والقواعد، يكون فيه منطق المؤسسة والإستحقاق والديمقراطية فوق منطق الشخصنة والتعيين.
وفي هذا السياق، تعتبر جهة سوس ماسة نموذج متقدم لهذه الدينامية، بالنظر إلى ما راكمه الحزب فيها من حضور سياسي وانتخابي وتنظيمي، وما تزخر به من مناضلات ومناضلين ومنتخبين وكفاءات وشباب ونساء قادرين على المساهمة في صياغة مرحلة جديدة.
إن التجمع الوطني للأحرار في سوس ماسة يحتاج إلى أن يربح ثقة مناضليه قبل ثقة المواطنات والمواطنين، ويعمل على تقوية الشعور بالإنتماء، وعلى الإقتناع بأن المؤسسة قادرة على الإنصاف وفتح مسارات واضحة للمشاركة وتحمل المسؤولية.
ومن هنا، فإن الأسابيع التي تفصلنا عن المؤتمر الوطني، يجب أن تكون زمنا سياسيا حقيقيا للإنصات والتقييم والمصالحة التنظيمية، عبر مؤتمرات إقليمية تحمل نفسا ديمقراطيا حقيقيا، وتمنح الكلمة للمناضلات والمناضلين والمنتخبين والشباب والنساء والكفاءات، وتسمح بالتعبير عن الإختلاف والنقد والإقتراح داخل المؤسسة، بعيدا عن أي منطق لتوجيه النقاش أو صناعة خلاصاته مسبقا.
إن المؤتمرات الإقليمية التي نحتاجها اليوم ينبغي أن تكون فضاءات سياسية للتقييم والمساءلة،نابعة من إرادة المناضلات والمناضلين.
إن الإنتقال إلى منطق المؤسسة يمثل، في تقديرنا، أحد أهم شروط المرحلة المقبلة، خصوصا بسوس ماسة، لاستعادة ثقة المناضلات والمناضلين ،نظرا لتراجع حماس بعضهم أو اختار بعضهم الإبتعاد أو الصمت ، نظرا لتراكم خيباتهم،وتحققهم أن صوتهم غير مسموع.
لذلك فإن حزب التجمع الوطني للأحرار يحتاج إلى مصالحة تنظيمية حقيقية لإعادة فتح الأبواب أمام كل من آمن بالمشروع وساهم فيه. نحتاج إلى الإنصات إلى من ابتعَدوا والذين أُبعِدو، وبعث رسالة على نضج التنظيم وقوته ولحمته.
ولا يمكن الحديث عن تجديد حقيقي دون شبيبة فعالة ومنظمات فاعلة منخرطة في قلب التأسيس لمرحلة البناء التنظيمي الجاد . والعمل على أن يكون الحزب فضاء لإنتاج الأفكار والسياسات والمبادرات المواطِنة.
وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا يتحول خطاب التصحيح التنظيمي إلى حركة ضد أشخاص أو إلى فرصة لتصفية الحسابات وإعادة توزيع المواقع بين مجموعات متنافسة و الإبقاء على الممارسات والآليات نفسها،بالخط العريض من أثبت في حقه الفشل التدبيري يجب أن يغادر بلا رجعة ويتحمل مسؤوليته التاريخية في العبث بالمؤسسة سواء داخل الحزب أو المسؤولية الإنتدابية (التنسيق فوق العادة).
إن التجمع الوطني للأحرار لا يحتاج اليوم إلى هدم البيت الذي ساهمت أجيال من المناضلات والمناضلين في بنائه، ولا إلى التنكر لمساره، ولا إلى البحث عن خصوم داخله، وإنما يحتاج إلى إعادة ترتيب هذا البيت وفتح نوافذه أمام هواء جديد، وترميم ما أظهرته التجربة من اختلالات، وإعادة الإعتبار إلى المؤسسة باعتبارها بيتا مشتركا يتسع للجميع.
إن المؤتمر الوطني المقبل يمكن أن يكون بداية هذه المرحلة إذا سبقته مؤتمرات إقليمية بنفس ديمقراطي حقيقي، وإذا استمعنا إلى نبض المناضلات والمناضلين، وإذا استطعنا أن نجعل المؤسسة أكبر من الأشخاص، سيستعيد التجمع الوطني للأحرار وهجه من مصدر قوته الحقيقي: مناضلاته ومناضليه.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



