
الأيديولوجيا الرأسمالية وصناعة الإنسان المطيع
- ذ. محمد لحميسة //
تحتل الأيديولوجيا حيزا واسعا في الكتابات الفكرية المعاصرة، بالنظر إلى أهميتها بوصفها إطارا نظريا يساعد على تفسير الظواهر الاجتماعية والثقافية والسياسية، وتحليل ما ينتجه الإنسان من أفكار وتمثلات، سواء تعلق الأمر بنص مكتوب أو بمقطع فيديو معروض.
لقد أضحت الأيديولوجيا هاجسا وشرطا للتفكير، بحيث يصعب الاشتغال في حقول الفلسفة والعلوم الإنسانية دون استحضارها أو الوعي بآثارها، على الأقل.
ويتوزع النقاش المعاصر حول هذا المفهوم، إجمالا، بين أطروحتين ناظمتين. تتمثل الأولى في أطروحة موت الأيديولوجيا ونهاية السرديات الكبرى، التي وجدت في سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار الرأسمالية شواهد على نهاية الصراع الأيديولوجي، وعلى بلوغ التاريخ ذروته في نموذج رأسمالي يُقدَّم باعتباره الشكل النهائي والواقعي لتنظيم الاقتصاد والسياسة.
أما الأطروحة الثانية، فتؤكد استمرار الأيديولوجيا، بل واستقواءها في سياق يتغاضى عنها، منتجا إياها في صور تبدو محايدة ومنفصلة عن كل انتماء أيديولوجي، مع أنها لا تعدو أن تكون تصورات وتمثلات نظرية تختزل الواقع وتعيد تشكيله وفق منظورات مخصوصة.
وأود، بداية، أن أحسم في اختياري النظري الذي سيشكل مفتاح هذا المقال:
إن الأيديولوجيا خالدة لا تموت، ما دام هناك مخاض تاريخي واجتماعي واقتصادي لا ينفك ينتج ما نسميه الواقع، وما دامت هناك أفكار تعبر عن هذا الواقع وتفسره وتضفي عليه معنى. وبعبارة قريبة من روح الطرح الألتوسيري، الأيديولوجيا هواء نتنفسه؛ فهل يمكننا أن نعيش من دون هواء؟
إن بقاء الرأسمالية وانتصارها التاريخي المرحلي، خاصة في أواخر القرن الماضي، لا يمكن فهمهما من دون استحضار استثمارها المكثف في الأيديولوجيا.
بل إن أحد المرتكزات الأساسية لاستمرارها لا يكمن في الثروة المادية التي تنتجها فحسب، وهي ثروة يستأثر بجزء كبير منها عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، وإنما أيضا في الأفكار والرغبات التي تصنعها الآلة الدعائية الرأسمالية، وتعمل على تصريفها عبر قنوات متعددة، في مقدمتها الإعلام والمدرسة، وبمساندة مؤسسات وشبكات خطابية تاريخية، من بينها المؤسسات الدينية والقانونية.
وتختلف أدوار هذه المؤسسات ومواقفها، غير أنها تساهم، في سياقات معينة، في إعادة إنتاج النموذج الرأسمالي وتوسيع نفوذه، وفي تقديمه باعتباره واقعا تاريخيا لا أفق يتجاوزه.
ومادة الاشتغال الأساسية في هذه العملية هي الأفكار والتمثلات والتصورات والنظريات؛ أي الأيديولوجيا، بوصفها منظومة قد تسهم في تشويه الواقع وقلب حقائقه والتعمية على تناقضاته، بما يفضي إلى تأبيد الحاضر وإعادة إنتاج الشروط التاريخية والمادية التي تضمن استمراره.
تكمن قوة الأيديولوجيا الرأسمالية في اشتغالها كما لو كانت إبرة تنفذ تحت الجلد من دون أن يشعر المرء بوخزها. فهي لا تعلن عن نفسها بوصفها مشروعا لصناعة الوعي الزائف أو لاحتجاز الفرد داخل منظومة فكرية تستنزف إمكاناته خدمة لاستدامة النظام الرأسمالي.
إنها تعمل، بالأحرى، على إنتاج رغبات متعددة، وعلى تغذية شعور متجدد بالنقص لا يكاد يتيح للإنسان ردم الهوة بين ما هو عليه وما يُفترض أن يكونه.
وهكذا تقتات الرأسمالية، في أحد أوجهها، على طاقات البشر الذين يسهمون في إعادة إنتاج شروط وجودها، الامر الذي يذكرني دوما بلوحة الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا التي يصور فيها الإله ساتورن وهو يلتهم ابنه: أب يخشى ما قد يحمله المستقبل، وابن لا يبدي مقاومة ظاهرة أمام مصيره.
ومن هنا يبرز السؤال: لماذا يقبل الابن أن يُلتهم من دون مقاومة؟ ولماذا قد يدافع العبد عن سيده، والمقموع عن الطغيان، والمظلوم عن الظالم؟
لا أريد، هنا، الدفاع عن تصور يختزل هذه المفارقات في متلازمة ستوكهولم، أو يعتبر الضحية شريكة في الجريمة لمجرد أنها قد تتماهى مع جلادها، أو يفسر خضوعها بنوع من المازوخية الاجتماعية والسياسية.
ما أريد الذهاب إليه هو سياق آخر، أرى فيه أن الرأسمالية ليست مجرد جلاد يستشعر المحرومون آثار ضرباته، بل هي أيضا نمط اقتصادي تشكل في ظروف تاريخية واجتماعية مخصوصة، أسهمت في تقسيم المجتمع إلى فئات متفاوتة الموقع في علاقات الإنتاج:
فئة تملك وسائل الإنتاج وتستحوذ على فائض القيمة، وفئة أخرى تجد نفسها مضطرة إلى بيع قوة عملها، العضلية أو الذهنية، لتأمين حاجاتها الأساسية والاستمرار في الحياة، وبوصفها بناء اجتماعي، لا تكتفي الرأسمالية بإعادة إنتاج علاقاتها المادية، بل تعمل أيضا على إنتاج الشروط الأيديولوجية التي تضمن استمرارها، من خلال التشويه حينا والتبرير حينا آخر.
وقد يسهم ذلك في إعاقة تشكل الوعي الطبقي، وفي إضفاء مشروعية نظرية وأيديولوجية على علاقات إنتاج مجحفة، تجعل الخضوع يبدو أمرا طبيعيا، بل قد تدفع الأفراد إلى الدفاع عن النظام الذي يعيد إنتاج شروط استغلالهم، كما لو أنهم عبيد يرفضون التحرر، لا لأن العبودية قدر محتوم، بل لأنهم لم يعودوا يتصورون إمكانا تاريخيا خارجها.
لقد أدرك ماركس، منذ وقت مبكر، أن البؤس المادي لا يتحول تلقائيا إلى قوة للتغيير الاجتماعي والسياسي؛ فوجود الاستغلال لا يكفي، في ذاته، لإنتاج وعي به أو لتوليد إرادة جماعية لتغييره. إذ يتوقف الأمر أيضا على الشروط التي تسمح للأفراد بفهم مواقعهم داخل علاقات الإنتاج، وإدراك المصالح المتعارضة التي تحكم المجتمع، وتحويل هذا الفهم إلى ممارسة سياسية واجتماعية.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي، بما يتضمنه من أفكار وتمثلات وتصورات، وبما يتصل به من صراعات أيديولوجية.
فالأيديولوجيا ليست مجرد أداة لتبرير النظام القائم واستدامته؛ إذ يمكن أن تصبح، في المقابل، مجالا لمقاومته ونقده. إنها، بهذا المعنى، ساحة للصراع: قد تصنع الإنسان المطيع للرأسمالية، المتماهي معها والمدافع عنها، وقد تتيح له أيضا مساءلة شروط وجوده والعمل على تغييرها.
يتجلى أثر الأيديولوجيا الرأسمالية حين يُقدَّم النظام القائم باعتباره الأفق التاريخي والاقتصادي الوحيد الممكن، وحين تتجاوز هذه النظرة حدود الاعتراف بواقعية النظام إلى اعتباره تعبيرا عن الطبيعة الإنسانية ذاتها.
عندئذ تصبح علاقات الإنتاج، والتقسيمات الطبقية، والاغتراب، والاستغلال، مظاهر طبيعية وعادية للحياة الاجتماعية، بينما يُنظر إلى كل طموح نحو تغييرها، بما يقلص الفوارق الاجتماعية ويصون كرامة الإنسان، بوصفه حلما طوباويا أو مشروعا غير واقعي يستحيل تحقيقه.
وفيما يلي، سأقف عند بعض الآليات والخطابات التي يمكن النظر إليها بوصفها محركات أيديولوجية تسهم في إضفاء الشرعية على النظام الرأسمالي، وفي إعادة إنتاج الشروط التي تضمن استمراره.
المنافسة: من آلية اقتصادية إلى قانون يحكم العلاقات الإنسانية
تُعد المنافسة من المبادئ المركزية في الخطاب المدافع عن الرأسمالية. فهي تُقدَّم باعتبارها الآلية التي تدفع الفاعلين الاقتصاديين إلى تحسين منتجاتهم وخدماتهم، وخفض أسعارها، واستمالة أكبر عدد ممكن من المستهلكين. ووفق هذا التصور، تسهم المنافسة في تحفيز الابتكار وتحسين الجودة وتطوير الاقتصاد.
غير أن الإشكال الذي أود طرحه لا يتعلق بالمنافسة بوصفها آلية اقتصادية فحسب، بل بامتداد منطقها إلى مجالات الحياة الإنسانية، حيث تتحول من وسيلة لتنظيم النشاط الاقتصادي إلى معيار لتقييم الأفراد وتحديد قيمتهم الاجتماعية.
فما إن ينتقل هذا المنطق إلى العلاقات الإنسانية حتى يصبح الفرد مطالبا بإثبات تفوقه المستمر على الآخرين، ويغدو وجوده نفسه محكوما بمقارنة لا تنتهي.
ومن هنا أمكننا أن نتساءل:
هل المنافسة آلية اقتصادية لتنظيم السوق، أم أنها تحولت إلى قانون يُعاد بموجبه تنظيم العلاقات الإنسانية وتقييم الأفراد؟
من السوق إلى المدرسة، ومن الإعلام إلى الأسرة والرياضة، يتردد خطاب واحد بأشكال مختلفة: عليك أن تكون أفضل من الآخرين، وأكثر جاذبية وإنتاجية وذكاء وقوة.
وهكذا تجد الذات الإنسانية نفسها أمام منطق اقتصادي يتسلل إلى مختلف مناحي الحياة، حتى أكثرها حميمية. لم تعد المنافسة محصورة في مجال الإنتاج والتبادل، بل غدت معيارا لتقييم الذات، ومقياسا للنجاح، ومصدرا للقلق المستمر والشعور بالنقص.
وفي ظل هذا المنطق، يصبح الإنسان مطالبا بتحسين أدائه باستمرار، ومضاعفة كفاءاته، ومطاردة صورة مثالية عن ذاته لا يكاد يبلغها. وتُغذّى هذه المطاردة عبر منظومة من الخطابات والمؤسسات التي تلاحق الفرد في مختلف لحظات حياته، وتدفعه إلى النظر إلى نفسه باعتباره مشروعا ينبغي تطويره بلا توقف.
وفي هذا السياق، أرى أن خطاب التنمية الذاتية، من جهة، والنظام التعليمي، من جهة أخرى، يمثلان مجالين مناسبين لفحص الكيفية التي يُشرعن بها المنطق التنافسي، وينتقل من مستواه الاقتصادي إلى تفاصيل الحياة الاجتماعية.
التنمية الذاتية ومجتمع الإنجاز: حين يتحول الإنسان إلى مشروع غير قابل للاكتمال.
يوما بعد يوم، يتوسع نفوذ خطاب التدريب على النجاح والكوتشينغ والتنمية الذاتية والمهارات الحياتية، ويجد لنفسه مكانا متزايدا داخل الوسائط التقليدية للتنشئة والتطويع الأيديولوجي، مثل المدرسة والإعلام. ويقوم هذا الخطاب، في صيغ كثيرة منه، على فكرة أن الإنسان إمكان مفتوح، وأن عليه أن ينتقل باستمرار من الكائن إلى الممكن، وأن يطور كفاءاته وقدراته، ويعمل على تحسين أدائه وتحقيق أهدافه.
ولنكن منصفين: ليس في الاجتهاد أو الطموح أو تطوير القدرات ما يستدعي الرفض في ذاته. فمن يستطيع أن يعارض رغبة الإنسان في التعلم وتحسين شروط حياته وتوسيع إمكاناته؟ لكن المشكلة تبدأ حين نتجاوز المنطوق الظاهر لهذا الخطاب إلى افتراضاته الضمنية، وحين ننتبه إلى الصورة التي يرسمها للإنسان وللعلاقة بين نجاحه الفردي والشروط الاجتماعية التي يعيش فيها.
إن خطاب التنمية الذاتية، في بعض صوره المهيمنة، يضعنا داخل آلة جري لا تنفد بطاريتها. فهو ينطلق من مسلمة ضمنية مفادها أننا، هنا والآن، ناقصون، وأن علينا أن نبحث باستمرار عن كمال مؤجل، نطارده من دون أن نتمكن من الإمساك به.
وهكذا يتحول تطوير الذات من إمكانية لتحرير القدرات الإنسانية إلى واجب دائم، وتصبح الحياة سباقا مفتوحا نحو نسخة أفضل من الذات، من دون أن يكون واضحا من يحدد معايير الأفضل، أو متى يمكن للإنسان أن يكتفي بما حققه.
وفي هذا السياق، يستحضر تحليل بيونغ تشول هان الانتقال من مجتمع الانضباط، حيث تمارس السلطة ضبطها من خلال الأوامر والمحظورات والمؤسسات الخارجية، إلى مجتمع الإنجاز، حيث يستبطن الفرد مقتضيات الأداء والإنتاج، ويتحول إلى رقيب على ذاته. لم يعد الأمر يتطلب دائما سلطة خارجية تقول للفرد: عليك أن تفعل؛ إذ صار بإمكانه أن يخاطب نفسه بعبارة: “أنت تستطيع”.
وتكمن المفارقة في أن خطاب القدرة والإمكان قد يتحول إلى خطاب للضغط المستمر، لأن ما يستطيع الفرد إنجازه يُقدَّم له بوصفه واجبا ينبغي تحقيقه. وهكذا يصبح عدم الرضا عن الذات سمة من سمات الحياة المعاصرة، ويجد الإنسان نفسه في مطاردة دائمة لنسخة أفضل من نفسه، من دون أن يبلغ لحظة يطمئن فيها إلى ما حققه.
لكن المعضلة الأعمق في بعض أشكال خطاب التنمية الذاتية تكمن في ميلها إلى إهمال الشروط المادية والاجتماعية التي تحكم إمكانات الأفراد، وردّ النجاح أو الفشل إلى الإرادة الفردية وحدها.
فعندما يُفسَّر التعثر باعتباره دليلا على ضعف الاجتهاد أو نقص الشغف أو العجز عن تطوير الذات، تصبح الظروف الاقتصادية والاجتماعية غير المتكافئة مجرد تفاصيل ثانوية، ويتحول الفرد إلى المسؤول الأول، وربما الوحيد، عن إخفاقاته.
وعندئذ يتحول عدم الإنجاز إلى مناسبة لجلد الذات. فبدلا من أن يكون الفرد ضحية ضغط خارجي واضح، يصبح هو نفسه أداة الضغط التي تمارسها السلطة المستبطنة داخله. إنه يعاقب ذاته باسم النجاح، ويستنزفها باسم الشغف، ويحمّلها مسؤولية أوضاع قد تتجاوز قدرته الفردية على تغييرها.
والأخطر من ذلك أن هذا المنظور قد يعيد تعريف النضال من أجل تغيير الشروط الاجتماعية غير العادلة باعتباره علامة على العجز الفردي؛ فبدلا من مساءلة الواقع الذي ينتج اللامساواة، يُطلب من الفرد أن يطوّر نفسه كي يتكيف معه. وهكذا تتحول المشكلات الجماعية إلى مسؤوليات فردية، وتُختزل مواجهة الظلم الاجتماعي في سباق شخصي نحو النجاح.
وبالعودة إلى بيونغ تشول هان، فإن مجتمع الإنجاز يدفع الفرد إلى التعامل مع ذاته كما لو كانت رأسمالا ينبغي استثماره وتعظيم مردوديته. ويصبح الإنسان مستثمرا وقاسيا على نفسه في الوقت ذاته، يطالبها بتحقيق الكمال الموعود، ثم يسمي هذه القسوة شغفا ورغبة في تحقيق الذات.
بل قد يعتبرها فضيلة لا يمتلكها إلا أولئك الذين يتحلون بالإرادة والانضباط والقدرة على تجاوز حدودهم.
وهكذا يجد الفرد نفسه منخرطا في مشروع يستنزف طاقاته، وهو يعتقد أنه يمارس حريته ويحقق ذاته، بينما تسهم ممارساته، في حالات كثيرة، في خدمة مقتضيات نظام اقتصادي يربط قيمة الإنسان بأدائه وإنتاجيته وقدرته على المنافسة.
ولا تظهر تناقضات هذا المسار بالضرورة منذ البداية، بل قد تنكشف حين يصطدم الفرد بحدود قدرته على الاستمرار، أو حين يدرك أن السعي المتواصل إلى الإنجاز لا يضمن له بالضرورة الرضا أو الاستقرار النفسي.
بهذا المعنى، لا تكمن المشكلة في تطوير الذات أو السعي إلى النجاح في حد ذاتهما، بل في تحولهما إلى واجب دائم، وفي اختزال الإنسان في قدرته على الإنتاج وتحقيق الإنجازات، وفي إخفاء الشروط الاجتماعية التي تحدد فرصه وإمكاناته.
المدرسة وإعادة إنتاج النظام الاجتماعي: الاستحقاق بوصفه غطاء أيديولوجيا.
ليست المدرسة بمنأى عن هذا المنطق؛ فهي بدورها منخرطة في إنتاج خطابات وممارسات قد تدفع الأفراد إلى التكيف مع النظام الاقتصادي القائم، لا إلى فهم شروطه وتناقضاته فحسب.
ولا يتعلق الأمر بالقول إن المدرسة لا تؤدي إلا وظيفة واحدة، أو إن جميع ممارساتها تخدم غاية أيديولوجية محددة، بل يتعلق بفحص بعض آلياتها التي قد تجعلها تسهم في إعادة إنتاج علاقات اجتماعية واقتصادية قائمة.
فالمهام التقنية المنفصلة عن التفكير النقدي، حين تتحول إلى غاية في ذاتها، قد تهيئ الأفراد للامتثال لمتطلبات العمل والتنظيم والإنتاج، من دون أن تمنحهم الأدوات الكافية لمساءلة الشروط التي تحكم هذه المتطلبات. كما أن بعض آليات الانضباط التي تمارس داخل المؤسسات التعليمية قد تتقاطع مع تلك المعمول بها في المؤسسات الاقتصادية، من حيث تنظيم الزمن، ومراقبة الأداء، وترتيب الأفراد، وتقييمهم وفق معايير محددة سلفا.
ولا أقصد بهذا أن الانضباط المدرسي مطابق تماما للانضباط داخل المصنع أو المؤسسة الاقتصادية، بل إن ثمة أوجه تشابه بين بعض التقنيات التنظيمية التي تجعل الفرد يتعلم، منذ سنواته الأولى، الامتثال للقواعد، واحترام التراتبية، والاستجابة لمتطلبات التقييم المستمر. وقد تصبح هذه الممارسات، حين تنفصل عن تنمية الاستقلال الفكري والقدرة على النقد، مدخلا إلى تطبيع الفرد مع علاقات السلطة التي سيواجهها لاحقا في حياته المهنية والاجتماعية.
غير أن دور المدرسة لا يتوقف عند إعداد الأفراد للاندماج في سوق العمل؛ فهي تؤدي أيضا وظيفة أساسية في توزيع المواقع الاجتماعية، من خلال الشهادات والنتائج وآليات الانتقاء والتوجيه. وهنا تبرز مسألة أكثر تعقيدا: إلى أي حد تعكس النتائج المدرسية القدرات والجهود الفردية وحدها؟ وإلى أي حد تتأثر بالشروط الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي ينشأ فيها المتعلمون؟
إن المدرسة، حين تقدم النجاح والفشل باعتبارهما نتيجة مباشرة للاستحقاق الفردي، قد تحجب الفوارق في شروط التعلم والموارد المتاحة والدعم الأسري والثقافي، فتبدو المواقع الاجتماعية التي يصل إليها الأفراد وكأنها حصيلة طبيعية لقدراتهم واجتهاداتهم وحدها.
وبذلك قد تسهم في إعادة إنتاج التراتبية الاجتماعية القائمة، مع منحها مشروعية جديدة تستند إلى نتائج الامتحانات والشهادات ومعايير الاستحقاق.
وتزداد أهمية هذه المسألة حين يصبح الاستحقاق شعارا يحجب الشروط غير المتكافئة التي يتنافس في ظلها المتعلمون. فليس المطلوب إنكار قيمة الاجتهاد أو الفروق الفردية، وإنما مساءلة الاعتقاد بأن المنافسة المدرسية تجري دائما بين أفراد تتساوى شروط انطلاقهم، وأن النتائج التي تفرزها تعكس بصورة شفافة قدراتهم واستحقاقهم.
هكذا يمكن للمدرسة أن تتحول، في بعض سياقاتها وممارساتها، إلى مؤسسة لا تكتفي بتوزيع المواقع الاجتماعية، بل تسهم أيضا في إضفاء الشرعية عليها. فبدلا من أن يُنظر إلى التفاوت الاجتماعي بوصفه ظاهرة تحتاج إلى تفسير تاريخي واقتصادي، قد يُعاد تقديمه بوصفه نتيجة عادلة لاختلاف الجهد والكفاءة والاستحقاق. وعندئذ لا يعود التفاوت مجرد واقع اجتماعي قائم، بل يصبح واقعا مبررا أيديولوجيا، يتعلم الأفراد قبوله باعتباره نتيجة طبيعية لاختياراتهم وقدراتهم.
إن خطورة الاستحقاق، في هذه الحالة، لا تكمن في كونه معيارا لتقييم الأداء في حد ذاته، بل في تحوله إلى خطاب شامل يفسر المواقع الاجتماعية للأفراد ويبررها، من دون أن يتيح مساءلة الشروط التي تنتج التفاوت في الفرص والإمكانات.
وهكذا يمكن أن تسهم المدرسة، من خلال آليات الانتقاء والتقييم والتصنيف، في إعادة إنتاج بعض التشكيلات الطبقية الموجودة داخل المجتمع، مع إضفاء مشروعية عليها تحت غطاء الحياد والاستحقاق.
تابعوا آخر الأخبار من أكادير اليوم على Google News



